الرئيسية / مساحة حرة / اللص الذي تلاحقه الشرطة.. واللص الذي تحرسه السلطة
مساحة حرة

اللص الذي تلاحقه الشرطة.. واللص الذي تحرسه السلطة

2026-09-11 17:25 6 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 11 شتنبر 2026

هناك لصوص من الطراز القديم، أولئك الذين يختبئون في الأزقة، يراقبون ضحاياهم من بعيد، ثم يخطفون حقيبة أو هاتفاً أو ساعة، وينطلقون هاربين بكل ما أوتوا من سرعة، لأنهم يعرفون جيداً أن صفارة الشرطة قد تكون في انتظارهم عند أول منعطف.

وهناك لصوص من طراز آخر أكثر خطورة، لا يختبئون ولا يركضون ولا يخافون من صفارات الشرطة. بل إن بعضهم قد يسير في الشوارع محاطاً بالحراسة، ويدخل من الأبواب الكبيرة، ويجلس في الصفوف الأمامية، ويتحدث أمام الناس عن المصلحة العامة والوطن وخدمة المواطنين. إنه لص السياسة عندما تتحول السلطة من مسؤولية إلى امتياز، ومن أمانة إلى غنيمة.

اللص العادي يسرق منك ما يوجد في جيبك، أما الفساد السياسي، حين تتحول السلطة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية، فقد يسرق منك ما هو أثمن بكثير: فرصة عمل، ومدرسة أفضل، ومستشفى أكثر كفاءة، وطريقاً كان يمكن أن يُنجز، وثروة وطنية كان يفترض أن يستفيد منها الجميع. اللص العادي قد يسرق هاتفك، أما سوء استعمال السلطة فيمكن أن يسرق منك المستقبل كله.

المفارقة أن المواطن يعرف جيداً كيف يتعامل مع اللص الصغير. فإذا تعرض للسرقة، يذهب إلى الشرطة، ويحرر محضراً، وتبدأ الإجراءات، وقد ينتهي الأمر بإيقاف الجاني ومتابعته أمام القضاء. لكن عندما يتعلق الأمر بالمال العام أو النفوذ أو تضارب المصالح أو سوء تدبير الموارد العمومية، تصبح الأمور أكثر تعقيداً؛ فتظهر اللجان والتقارير والتحقيقات والتصريحات، ثم قد يطول الانتظار حتى ينسى المواطن أصلاً لماذا كان ينتظر المحاسبة.

يا لها من مفارقة مؤلمة! لص يسرق حقيبة فيُطارَد، بينما من يُشتبه في تورطه في تبديد أو سوء تدبير المال العام قد يجد نفسه محاطاً بسياج من النفوذ والحسابات السياسية والإجراءات التي تجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة. والمشكلة هنا ليست في احترام المؤسسات، بل في السؤال البسيط الذي يطرحه المواطن، هل تستطيع هذه المؤسسات أن تطبق القانون بالقوة نفسها على الجميع؟

نحن نحترم المؤسسات، بل نحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى، لكننا نريد مؤسسات تحمي المواطن والمال العام والقانون، لا مؤسسات تتحول، ولو بشكل غير مباشر، إلى مظلة تحتمي تحتها بعض مظاهر النفوذ.

فالشرطة ليست موجودة لحراسة أصحاب السلطة من أسئلة المواطنين، وإنما لحماية القانون والمجتمع. والحماية الحقيقية للمسؤول ليست في عدد رجال الأمن الذين يرافقونه، ولا في السيارات التي تفتح له الطريق، ولا في الأبواب التي تُغلق أمام المواطنين، وإنما في وجود مؤسسات رقابية وقضائية قادرة على مساءلته عندما يشتبه في ارتكابه مخالفة أو إساءة استعمال للسلطة.

المسؤول الذي يخشى المحاسبة هو المسؤول الذي يفهم معنى السلطة، أما المسؤول الذي يعتقد أن منصبه يمنحه حصانة سياسية أو اجتماعية أو إدارية، فهو لم يفهم أن الكرسي الذي يجلس عليه ليس ملكاً شخصياً، وأن المال الذي يتصرف فيه ليس ماله، وأن المنصب الذي يشغله ليس إرثاً عائلياً، وأن المواطن الذي يقف أمامه ليس تابعاً له.

المشكلة أن بعض المجتمعات أصبحت شديدة القسوة مع لص رغيف الخبز، لكنها أحياناً تكون شديدة التسامح مع لصوص الفرص. نغضب عندما يسرق شخص كيساً من الدقيق، وهذا أمر مفهوم، لكننا لا نملك دائماً القدر نفسه من الغضب عندما تهدر الملايين بسبب سوء التدبير، أو عندما تتعطل مشاريع كان يمكن أن تغير حياة الناس.

والأخطر أن السرقة لا تأتي دائماً في شكل حقيبة تُنتزع من يد مواطن أو نقود تُسحب من جيبه. أحياناً تُسرق أموال الناس عبر مشاريع متعثرة، أو قرارات سيئة، أو صفقات تثير علامات استفهام، أو امتيازات تُمنح لفئة على حساب أخرى، أو تدبير يفتقد للحكامة والشفافية. وفي جميع هذه الحالات، يدفع المواطن الثمن من ضرائبه، ومن جودة الخدمات العمومية، ومن فرص أبنائه، ومن مستوى معيشته.

ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يثق في السياسة، وأن يثق في الانتخابات، وأن يثق في المؤسسات، وأن يصدق الوعود والشعارات. حسناً، سيحاول المواطن أن يثق، لكنه يريد أولاً دليلاً بسيطاً على أن القانون قادر فعلاً على الوصول إلى الجميع، وليس فقط إلى من لا يملك نفوذاً ولا ظهراً سياسياً ولا قدرة على حماية نفسه.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يُسرق المال فقط، وإنما أن يفقد المواطن ثقته في العدالة وفي قدرة المؤسسات على محاسبة من يستغل السلطة. وعندما يشعر بأن القانون صار شديد الصرامة مع الضعيف وشديد المرونة مع القوي، فإن الخطر لا يعود مرتبطاً بسرقة المال فقط، بل يصبح مرتبطاً بسرقة الثقة نفسها.

إن الدولة القوية ليست تلك التي تملك أكبر عدد من سيارات الحراسة، ولا تلك التي تحيط المسؤولين بسياج أمني كثيف، وإنما تلك التي تجعل المسؤول نفسه يشعر بأن هناك قانوناً فوقه، ومؤسسات تراقبه، وقضاء يمكن أن يسأله، وصحافة تستطيع أن تنتقده، ومواطناً يملك الحق في معرفة أين تذهب أموال بلده.

وفي النهاية، يستطيع المواطن أن يشتري هاتفاً جديداً إذا سُرق هاتفه، ويمكنه أن يعوض ساعة ضاعت منه، وربما يستطيع أن يشتري حقيبة أخرى إذا تعرض للسرقة. لكنه لا يستطيع بسهولة أن يعوض سنوات ضائعة من التنمية، أو فرصة عمل لم تأتِ، أو مشروعاً لم يُنجز، أو مستشفى لم يجد فيه العلاج، أو مدرسة لم تمنح أبناءه التعليم الذي يستحقونه.

لهذا، فإن اللص الذي يسرق حقيبتك مجرم ويجب أن يُحاسب، لكن اللص الذي يسرق من وطنك مستقبله، أو يستعمل السلطة لتحقيق مصالحه الخاصة، أخطر بكثير؛ لأن الأول قد يسرق منك شيئاً تملكه اليوم، بينما الثاني قد يسرق منك شيئاً لن تستطيع استعادته غداً.

والفارق الأكبر بين الاثنين أن اللص العادي يهرب عندما يرى الشرطة، بينما الفساد لا يخاف من الشرطة عندما يصبح النفوذ أقوى من القانون.

وهنا تحديداً تبدأ الكارثة،عندما يصبح المواطن هو الذي يحتاج إلى الحماية من اللص، بينما يحتاج اللص إلى حماية المواطن منه.

فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الصناديق التي توضع في مكاتب التصويت، ولا بعدد الخطب التي تتحدث عن النزاهة ومحاربة الفساد، وإنما تُقاس بقدرة المؤسسات على جعل القوي والضعيف يقفان أمام القانون في المسافة نفسها. فإذا كان القانون يصل إلى المواطن البسيط بسرعة، ويتعثر عندما يقترب من أصحاب النفوذ، فالمشكلة ليست في المواطن وحده، بل في ميزان العدالة نفسه.

وفي النهاية، لا يحتاج الوطن إلى ملائكة في مواقع المسؤولية، لكنه يحتاج إلى مسؤولين يعرفون أن السلطة مؤقتة، وأن المال العام أمانة، وأن المنصب تكليف وليس تشريفاً، وأن كل قرار له أثر على حياة الناس، وأن وراء كل رقم في ميزانية عمومية مواطناً يدفع من جيبه، وطفلاً ينتظر مدرسة، ومريضاً ينتظر علاجاً، وشاباً ينتظر فرصة.

أما تحويل السلطة إلى درع يحمي صاحبها من النقد والمساءلة، فليس قوة للدولة، بل ضعف فيها. وحين يصبح النفوذ وسيلة لتجاوز القانون، فإن أخطر ما يُسرق لم يعد المال، وإنما يصبح القانون نفسه؛ لأن سرقة القانون تعني في النهاية سرقة حق الجميع في العدالة.

فاللص العادي يسرق منك شيئاً تملكه، أما اللص الذي يسيء استعمال السلطة فقد يسرق منك وطناً كان من حقك أن يكون أفضل.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *