الرئيسية / مساحة حرة / لعن الله زمنًا كثر فيه البيادق، حتى صار التطبيل مهنة، والكرامة عارًا، والصمت عن الباطل فضيلة
مساحة حرة

لعن الله زمنًا كثر فيه البيادق، حتى صار التطبيل مهنة، والكرامة عارًا، والصمت عن الباطل فضيلة

2026-09-01 17:28 4 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 1 شتنبر 2026

لعنة الله على زمنٍ انقلبت فيه الموازين، حتى أصبح الكذب «شطارة»، والتملق «ذكاءً»، والانتهازية “حنكة”، والصدق تهمة، والكرامة نوعاً من الغباء السياسي.

زمنٌ صار فيه بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن صاحب النفوذ. لا يسألون ماذا قدم هذا الشخص للناس، ولا ماذا فعل بالمدينة، ولا أين ذهبت الوعود، بل يسألون سؤالاً واحداً،  ماذا يمكن أن أحصل منه؟

وهكذا ولدت طبقة من المصفقين المحترفين، أولئك الذين يغيرون مواقفهم أسرع من تغير اتجاه الريح، ويبدلون ولاءاتهم كما يبدلون قمصانهم، ويكتبون اليوم ما كانوا يشتمونه بالأمس، ويمدحون غداً من كانوا يتهمونه بكل الموبقات.

يا للعجب!

بالأمس كان ” فاسداً ” في أعينهم، واليوم أصبح “قامة سياسية”.

بالأمس كان “انتهازياً”، واليوم صار “رجل المرحلة”.

بالأمس كانوا يسألون عن حصيلته، واليوم يطلبون من الناس التصفيق له.

وما بين الأمس واليوم، لم يتغير الرجل بالضرورة… الذي تغير هو حجم المصلحة.

هنا تحديداً يصبح المشهد أكثر بؤساً.

فبعض “المناضلين” لا يناضلون إلا عندما تكون الكاميرات مشتعلة، وبعض “المدافعين عن المدينة”  لا يتذكرون المدينة إلا عندما تكون هناك مصلحة، وبعض “أصحاب الأقلام”لا يجيدون الكتابة إلا عندما يكون المطلوب تلميع صورة هذا أو ذاك.

أما الحقيقة؟
فلتذهب إلى الجحيم!

المهم أن يبقى “السيد” سعيداً، وأن تبقى الصورة لامعة، وأن تستمر حفلات التصفيق، وأن يُدفن كل سؤال مزعج تحت أكوام من المديح الرخيص.

ولكل من اختار أن يكون بيدقاً في رقعة المصالح، نقول، لا تتعب نفسك في تبرير موقعك.

أنت تعرف من تكون.

والناس تعرف أيضاً.

فالبيدق لا يصبح ملكاً بكثرة التطبيل، ولا يتحول التابع إلى صاحب قرار بمجرد أن يمنحه سيده مقعداً أو صورة أو لحظة قرب.

والمثير للشفقة أن بعض هؤلاء يعتقدون أن إهانة عقول الناس هي نوع من الذكاء. يظنون أن المواطن يمكن خداعه بخطاب منمق، أو بصورة جماعية، أو بمنشور مليء بالمديح، أو بتعليقات مصطنعة.

لكن الناس ترى.

تسمع.

وتتذكر.

وتعرف جيداً من كان صادقاً ومن كان يبيع الكلام، ومن وقف مع الناس ومن وقف مع مصالحه، ومن حافظ على كرامته ومن قرر أن يستبدلها بامتياز عابر.

يا سادة التطبيل، لا أحد يطلب منكم البطولة. فقط لا تبيعوا ما تبقى لكم من كرامة.

لا تجعلوا من أنفسكم أبواقاً مستأجرة لتلميع صور من لا يستطيعون تلميعها بأفعالهم.

فمن كان يستحق الاحترام، ستمنحه الناس احترامها دون جوقة.

ومن كان يستحق الثناء، ستتكفل إنجازاته بذلك دون قصائد المديح.

ومن يحتاج إلى عشرات المصفقين ليبدو عظيماً، فربما المشكلة ليست في قلة المصفقين، بل في غياب ما يستحق التصفيق.

مدينتنا العزيزة لا تحتاج إلى مزيد من الأبواق.

تحتاج إلى ضمائر.

تحتاج إلى من يقول للمسؤول: أخطأت.

وللمنتخب،أين حصيلتك؟

وللسياسي،أين وعودك؟

ولكل صاحب نفوذ، الناس ليست ملكاً لك، والمدينة ليست ضيعة خاصة.

تحتاج إلى مواطن لا يبيع صوته، ولا قلمه، ولا موقفه، ولا كرامته مقابل مصلحة صغيرة.

أما أولئك الذين يعيشون على التطبيل، ويتغذون على موائد النفوذ، ويغيرون جلودهم السياسية عند أول إشارة، فليتذكروا شيئاً بسيطاً:

المصلحة عابرة، أما السمعة فتبقى.

والمال ينفد.

والنفوذ يتغير.

والكراسي لها نهاية.

أما ما يبقى فهو وجه الإنسان أمام نفسه، وماذا سيقول لضميره عندما تنطفئ الأضواء وينتهي التصفيق.

فلا تغتروا بكثرة المتابعين، ولا بعدد الصور، ولا بحجم الجوقة.

فقد تصنعون ضجيجاً كبيراً، لكنكم لن تستطيعوا صناعة الحقيقة.

وقد تلمعون صورة اليوم، لكنكم لن تستطيعوا إخفاء آثار الأمس.

وقد تبيعون المواقف، لكنكم لن تستطيعوا شراء الاحترام.

تبا لزمنٍ صار فيه الصادق مضطراً للدفاع عن صدقه، والشريف مطالباً بإثبات شرفه، بينما يخرج المتملق منتفخاً كأنه صاحب قضية.

وتباً لكل من اختار أن يكون بوقاً بدلاً من أن يكون صوتاً.

وتباً لمن باع ضميره ثم حاول إقناع الناس بأنه اشترى الحكمة.

وتباً لمن جعل من لسانه سلماً يصعد به الآخرون، ثم ظن أنه أصبح شريكاً في المجد.

أما الحقيقة، فستبقى أقوى من كل المصفقين.

وسيأتي يوم لا تنفع فيه الصور، ولا المنشورات، ولا الولاءات، ولا حفلات التصفيق.

يومها سيسأل الناس سؤالاً بسيطاً:

ماذا قدمتم للمدينة؟

وعندها لن ينفع التطبيل، ولن تنفع الأقنعة، ولن تنفع تلك الوجوه المستعارة.

لأن الستار سيسقط…

وحين يسقط الستار، لا يبقى على الخشبة إلا الإنسان وحقيقة ما كان عليه.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *