” ريف رس ” 25 غشت 2026
لم يعد الحديث عن الضغط النفسي والأزمات النفسية في المغرب مجرد موضوع عابر، بل أصبح هاجساً يلمسه كثير من المواطنين في حياتهم اليومية. موظف يشتكي من أعباء العمل، وشاب يعيش القلق بسبب البطالة، وأسرة تكافح لتغطية مصاريفها، ورب أسرة يجد نفسه أمام مسؤوليات تتزايد يوماً بعد يوم، دون أن يلمس تحسناً حقيقياً في ظروفه.
وراء هذا الواقع عوامل كثيرة ومتداخلة. فارتفاع تكاليف المعيشة، وغلاء المواد الأساسية، وأعباء السكن، ومصاريف التعليم والعلاج والنقل، كلها تضغط على القدرة المادية للأسر. وعندما لا تتناسب المداخيل مع حجم هذه الالتزامات، يتحول القلق بشأن المال إلى ضغط نفسي مستمر.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي. فالشباب يعيشون بدورهم حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل، خصوصاً مع صعوبة الحصول على وظيفة مستقرة وتحقيق الاستقلال المادي وتكوين أسرة. وهناك أيضاً ضغط اجتماعي متزايد يجعل الإنسان يشعر بأنه مطالب دائماً بالنجاح، وتحقيق مستوى معيشي معين، ومجاراة الآخرين.
وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه المشكلة لدى البعض، إذ أصبح المواطن يقارن حياته اليومية بحياة أشخاص يعرضون باستمرار صوراً للنجاح والرفاهية والسفر والاستهلاك، الأمر الذي قد يولد شعوراً بالنقص والإحباط، رغم أن ما يظهر على مواقع التواصل لا يعكس دائماً الواقع الحقيقي.
لكن السؤال الأهم هو، هل نواجه هذه الظاهرة بالجدية الكافية؟
الاهتمام بالصحة النفسية لا ينبغي أن يكون مرتبطاً فقط بالحالات المرضية، بل يجب أن يبدأ من معالجة الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الانهيار النفسي. فلا يمكن مطالبة المواطن بالصبر والتحمل إلى ما لا نهاية، بينما يواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متراكمة.
المطلوب ليس فقط توفير خدمات للدعم النفسي، رغم أهميتها، وإنما أيضاً بناء سياسات اجتماعية واقتصادية تخفف أسباب الضغط من جذورها: تحسين القدرة الشرائية، توفير فرص العمل، دعم الأسر، تسهيل الحصول على السكن، وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية.
فالمواطن الذي يعيش في ظروف مستقرة ويشعر بأن مستقبله مضمون نسبياً يكون أكثر قدرة على مواجهة الصعوبات. أما عندما يصبح المستقبل نفسه مصدر خوف وقلق، فإن أبسط مشكلة يمكن أن تتحول إلى أزمة كبيرة.
لقد أصبح من الضروري أن نتوقف عن التعامل مع الضغط النفسي باعتباره ضعفاً في شخصية الإنسان. أحياناً لا يكون الإنسان ضعيفاً، وإنما يكون مرهقاً من كثرة ما يتحمله.
ومن هنا، فإن حماية الصحة النفسية للمغاربة تبدأ أيضاً من حماية كرامتهم، وتحسين ظروف عيشهم، وإعادة الأمل إلى الشباب والأسر، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش مطمئناً في مجتمع يشعر فيه بأن كل يوم يحمل معه أزمة جديدة.







