” ريف رس ” 17 غشت 2026
نعيش اليوم وسط ضجيج لا يكاد يتوقف. ضجيج في الشوارع، في أماكن العمل، في وسائل النقل، وفي الهواتف التي لا تمنحنا فرصة حقيقية للابتعاد عن العالم ولو لبعض الوقت. نستيقظ على الأخبار، وننام على المشاكل، وبينهما نحاول أن نؤدي ما علينا من واجبات، وأن نبدو بخير، حتى عندما نكون في أمسّ الحاجة إلى أن يسألنا أحد، كيف حالك حقًا؟
الضغوط اليومية لم تعد مرتبطة بمشكلة واحدة يمكن حلها ثم الانتهاء منها. هناك ضغط العمل، وغلاء المعيشة، ومتطلبات الأسرة، والخلافات داخل البيت، والمشاكل خارجه، والقلق المستمر بشأن المستقبل. وحتى لحظات الراحة أصبحت قصيرة ومليئة بالمشتتات، وكأن الإنسان لم يعد يملك حقه الطبيعي في الهدوء.
وفي خضم هذا كله، نتحدث كثيرًا عن حماية الأطفال، وحماية الحيوانات، وحماية البيئة، وحماية الممتلكات، وهي كلها قضايا مهمة ولا ينبغي التقليل من شأنها. لكن وسط كل هذه الدعوات المشروعة، يحق لنا أن نسأل أيضًا، من يحمي الإنسان الذي استنزفته الحياة؟ ومن يلتفت إلى النفوس التي أنهكها الضغط، والعقول التي لم تعد تجد مساحة لتلتقط أنفاسها؟
كم من شخص يضحك أمام الآخرين، بينما يعيش في داخله معركة لا يعرفها أحد؟
وكم من أب أو أم يعودان إلى المنزل بعد يوم طويل، فيجدان أنفسهما أمام مسؤوليات جديدة، في حين أن طاقتهما قد استُنفدت منذ ساعات؟
وكم من موظف يذهب إلى عمله مثقلًا بمشاكل شخصية، ثم يُطلب منه أن يكون في كامل تركيزه وهدوئه وإنتاجيته؟
المشكلة أننا أصبحنا نعتاد على التعب إلى درجة أننا لم نعد نعتبره أمرًا يستحق الحديث. أصبح من الطبيعي أن نقول: “كل الناس متعبة”، وكأن شيوع المعاناة يجعلها أقل أهمية.
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة، ثقافة لا تنظر إلى الإنسان باعتباره آلة للعمل والإنتاج والتحمل. الإنسان يحتاج إلى الراحة، إلى الكلمة الطيبة، إلى مساحة هادئة، وإلى من يستمع إليه دون أن يحاكمه أو يقلل من معاناته.
نحتاج أيضًا إلى أن نراجع الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا البعض. فالكلمة القاسية في البيت، والصراخ في العمل، والإهانة في الشارع، والتنمر على مواقع التواصل، كلها أشياء قد تبدو بسيطة لمن يقوم بها، لكنها قد تكون آخر قطرة في كأس شخص كان يحمل فوق طاقته منذ مدة طويلة.
وحماية الصحة النفسية ليست مسؤولية الفرد وحده. الأسرة لها دور، والمدرسة لها دور، ومكان العمل له دور، والإعلام له دور، والمجتمع كله له دور. لأن الإنسان المرهق نفسيًا لا يحتاج دائمًا إلى نصيحة، بل قد يحتاج أولًا إلى أن يشعر بأن هناك من يفهمه وأنه ليس مضطرًا لخوض معاركه وحيدًا.
ليس المطلوب أن نتوقف عن الحديث عن حماية الأطفال أو الحيوانات أو أي قضية أخرى. المطلوب فقط ألا ننسى أن الإنسان أيضًا يحتاج إلى الحماية، حماية من العنف، ومن الإهانة، ومن الاستنزاف، ومن الضغوط التي تتراكم بصمت حتى يصبح أبسط شيء عبئًا ثقيلًا.
ربما آن الأوان أن نسأل، إلى جانب كل الأسئلة التي تشغلنا يوميًا:
هل نمنح أبناءنا وقتًا كافيًا للراحة؟
هل نسأل آباءنا وأمهاتنا عن حالهم بعيدًا عن الواجبات؟
هل ننتبه إلى زملائنا الذين تغيرت ملامحهم وصمتهم أكثر من المعتاد؟
هل نتوقف أحيانًا عن الحكم على شخص لا نعرف حجم المعركة التي يخوضها في داخله؟
في النهاية، ليست كل الجروح مرئية، وليس كل التعب يظهر على الوجه.
هناك نفوس تحتاج إلى كلمة تطمئنها، وعقول تحتاج إلى بعض الهدوء، وأشخاص يحتاجون فقط إلى أن يشعروا بأنهم مهمون.
فإذا كنا نتحدث عن حماية كل ما هو ضعيف ويحتاج إلى الرعاية، فلا ينبغي أن ننسى الإنسان الذي أنهكته الحياة، ثم طلبنا منه أن يستمر وكأن شيئًا لم يحدث.
لأن السؤال الحقيقي ربما ليس فقط: من يحمي أطفالنا وكلابنا وبيئتنا؟بل أيضًا: من يحمي النفوس المتعبة والعقول المرهقة؟.







