الرئيسية / مساحة حرة / نسينا الشيطان… فصار بعضنا عدوَّ بعض
مساحة حرة

نسينا الشيطان… فصار بعضنا عدوَّ بعض

2026-08-02 17:07 2 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 2 غشت 2026

في خضم ما نشهده يوميًا من أخبارالنصب و الاحتيال، والخلافات التي تمزق العلاقات، والنميمة التي تهدم البيوت، والتجسس الذي يُمارس تحت ستار الفضول، ينشغل الجميع بإدانة البشر وحدهم، وكأن الشر يولد من الإنسان بمعزل عن أي مؤثر آخر.

غير أن كثيرين أغفلوا حقيقة أكدتها النصوص الدينية منذ البداية، وهي أن هناك طرفًا ثالثًا حاضرًا في كل معركة أخلاقية، طرفًا لا يكل ولا يمل، جعل مهمته إغواء الإنسان وتزيين الباطل له حتى يبدو حقًا.

لعل أخطر ما نجح فيه الشيطان ليس دفع الناس إلى ارتكاب الذنوب، وإنما إقناعهم بأنه لم يعد حاضرًا في حياتهم. وحين يغيب الوعي بوجود العدو، يصبح الانتصار عليه أكثر صعوبة، لأن الإنسان يخوض معركته وهو يظن أن خصمه الوحيد هو أخوه الإنسان.

فالشيطان لا يحتاج إلى الظهور، بل يكفيه أن يهمس ويزين. يزين للمحتال احتياله على أنه ذكاء، ولصاحب الفتنة أنها دفاع عن الحق، وللمتجسس أن ما يقوم به مجرد فضول أو حرص على المعرفة. وهكذا تتحول الأخطاء إلى أفعال تبدو في نظر أصحابها مبررة، بينما تتسع دائرة الفساد شيئًا فشيئًا.

إن اختزال أسباب الشر في الإنسان وحده يجعلنا ننشغل بمظاهر المشكلة ونغفل جذورها. فالفساد لا ينشأ إلا حين يجد الإغواء استجابة، ولذلك فإن مقاومة الشر لا تكون فقط بمحاسبة الأفعال، وإنما أيضًا بالوعي بما يغذيها ويزينها للنفس.

ومن هنا تبدأ المقاومة الحقيقية؛ مقاومة تقوم على اليقظة قبل العقوبة، وعلى إدراك أن كثيرًا من الخطوات الكبيرة تبدأ بفكرة صغيرة أو وسوسة عابرة. فكلمة قد تتحول إلى نميمة، ونظرة قد تصبح تجسسًا، وطمع بسيط قد ينتهي إلى احتيال وظلم.

لسنا اليوم أمام أزمة أخلاق فحسب، بل أمام أزمة وعي. وعي بحقيقة الصراع الذي يعيشه الإنسان منذ بداية الخليقة، وبأن النفس تحتاج دائمًا إلى المراجعة والمحاسبة حتى لا تنقاد لما يُزين لها من باطل.

وحين نستعيد هذا الوعي، لن ننظر إلى الشر على أنه قدر لا مفر منه، ولن نكتفي بإلقاء اللوم على الآخرين، بل سندرك أن معركة الإنسان تبدأ من داخله، وأن الانتصار فيها يكون باليقظة، والتمييز بين الحق والباطل، والاستعانة بالله في مواجهة وساوس من أقسم أن يغوي بني آدم.

ويبقى السؤال الجدير بالتأمل، إذا كنا قد أحسنا تشخيص أخطاء البشر، فهل ما زلنا نتذكر من يسعى إلى تزيينها لهم منذ البداية؟

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *