” ريف رس ” 23 يوليوز 2026
ليست الصحافة خصمًا للقضاء، وليست العدالة عدوًا للصحافة. كلاهما يشكلان ركيزتين أساسيتين في بناء دولة الحق والقانون، وكلما احترم أحدهما دور الآخر، ازداد المجتمع ثقة في مؤسساته.
لكن حينما يشعر الصحفي بأن أبواب العدالة موصدة في وجهه، أو أن صوته لا يجد من يسمعه حين يتعرض للظلم أو التضييق، فإن الأمر لا يتعلق بالصحافة وحدها، بل بصورة القضاء نفسه أمام المجتمع.
فالصحافة الحرة لا تخشى القضاء المستقل، والقضاء النزيه لا يخشى صحافة تراقب وتنتقد وتطرح الأسئلة. بل إن العلاقة بين الطرفين يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، لأن الصحافة تسلط الضوء على مكامن الخلل، والقضاء يضمن تطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات.
المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة إلى مواجهة، أو عندما يُنظر إلى الصحفي باعتباره خصمًا لمجرد أنه مارس حقه في التعبير أو كشف قضية تهم الرأي العام. هنا يفقد القضاء جزءًا من هيبته، وتفقد الصحافة جزءًا من بريقها، ويصبح المواطن هو الخاسر الأكبر.
إن الصحفي الذي يكتب وينتقد لا يطلب امتيازًا فوق القانون، وإنما يطلب أن يُعامل وفق القانون، وأن تُحترم حقوقه المهنية، وأن تُسمع شكاياته بنفس الجدية التي تُسمع بها شكايات الآخرين.
إن قوة القضاء لا تُقاس فقط بالأحكام التي يصدرها، وإنما كذلك بقدرته على حماية الحقوق والحريات، والاستماع إلى الجميع دون تمييز، وإقناع المواطن بأن العدالة تقف على مسافة واحدة من الجميع.
كما أن قوة الصحافة لا تُقاس فقط بحدة عناوينها، وإنما بقدرتها على ممارسة النقد بمهنية، والدفاع عن الحقيقة، والوقوف إلى جانب المصلحة العامة ، ونقل الخبر بمصداقية وبدقة.
لذلك، فإن العلاقة بين القضاء والصحافة يجب ألا تكون علاقة صراع، بل علاقة تكامل ورقابة متبادلة في إطار القانون. فالصحافة تحتاج إلى قضاء مستقل يحميها عندما تُنتهك حقوقها، والقضاء يحتاج إلى صحافة حرة تكشف الاختلالات وتدافع عن حق المجتمع في المعرفة.
وحينما يدير القضاء ظهره للصحافة، لا تخسر الصحافة وحدها، بل يخسر القضاء جزءًا من بريقه، وتخسر العدالة شيئًا من ثقة المجتمع بها.
وفي دولة المؤسسات، لا ينبغي أن يخشى الصحفي من القضاء، ولا ينبغي للقاضي أن يخشى الصحافة. فلكل منهما رسالته، وكلما احترم أحدهما حدود الآخر، ازداد احترام المجتمع لهما معًا.
أما إذا أُغلقت الأبواب أمام الصحافة، وغاب الحوار، وتحول الاختلاف إلى خصومة، فإن الصمت لن يكون حلًا، لأن بريق العدالة لا يكتمل إلا عندما يشعر الجميع بأن القانون يحميهم، وأن صوتهم مسموع، وأن ميزان العدالة لا يميل أمام النفوذ أو السلطة أو الخصومة.







