” ريف رس ” 9 يوليوز 2026
الأستاذ محمد بوزكو يكتب ..
في هذه الأيام المونديالية، المتزامنة مع بداية صيف لاهب، لا ملاذ لنا سوى الماء البارد وكرة القدم… وصيام مؤقت عن كل ما عدا ذلك…
نصوم عن السياسة ونحن على أعتاب انتخابات باهتة…
ونصوم عن الكتابة…
ونخفف من العمل…
فنكتفي بمتابعة بعض برامج كرة القدم…
لكنني، عن قناعة، لا أقترب من تلك البرامج القادمة من قنوات الشرق… التي جعلت من الرياضة امتدادًا لخطاب عروبي مغلق على نفسه…
هناك في تلك الخيم المنصوبة بأوتاد العروبة، لا تُناقش كرة القدم بقدر ما تُستعمل لإعادة إنتاج رواية إيديولوجية مشروخة…
حتى إن بعض المحللين القادمين من شمال إفريقيا يتركون هوياتهم عند باب الخيمة، ثم يدخلون مرتدين عباءة العروبة، يرددون ما يُطلب منهم، قبل أن يعودوا إلى بلدانهم حيث التاريخ والجغرافيا والواقع يقولون أشياء أخرى مخالفة تماماً.
قلت: سأتابع إذن برامج أهل الدار.
مررت عبر برامج تلفزية…
وجدت فيها الخشب متناثر هنا وهناك…
فكسّرتُ الغمّارةَ ودخلت إلى اليوتيوب…
آه على اليوتيوب وقد أصبح أشبه بسوق أسبوعي؛ ضجيج، وعناوين مثيرة، وسباق محموم على المشاهدات… هذا يبيع دواء بوزلّوم… وهذا يقدّم وصفات لإحياء الانتصاب… وذلك يفتخر بالدواء المسلم الذي اخترعه…
لكن ما أزعجني أكثر هو ذلك الإصرار العجيب على اختزال كل إنجاز مغربي في عبارة واحدة: “المنتخب العربي الوحيد”… “المدرب العربي”… “الإنجاز العربي”…
وكأن المغرب لا يملك هوية خاصة، ولا تاريخًا، ولا تنوعًا ثقافيًا، ولا مكونًا أمازيغيًا ضاربًا في عمق هذه الأرض.
هذا عبد المنعم الغارق في تحليل شعبوي…
وذلك بدر الدين المنتخب الذي لم يغير أسلوب تفكيره منذ قرنٍ وزمًارة…
وتلك ريمونتاذا تنسى الشمال الذي تسكنه وتهرب إلى شرقٍ وتستمد منه نظرته التي ترى في محمد وهبي ذلك المدرب العربي الذي تفوق على الركراكي…
أما بلعيد فيدوخّنا بتلك المقدمة الطللية ” أيثما ذيسما إنّا غثلاّم…أزول فلاّون” ثم سرعان ما ينسى نفسه وهو يتحدث عن المغرب كاول منتخب عربي يصل لدور الربع مرتين على التوالي…
أما الطامة الكبرى فهو ياسين… ذلك المتعجرف الذي يطل علينا تارة من عروس الشمال وتارة من شبه الجزيرة الايبيرية… فلا يهدأ له بال إن لم ينسب كل لاعب او تقني للأصل العربي… حتى الكرات والجِراب والقمصان لو وجد لنسبها هي الأخرى للعرب… كيف لا وهو لم يستطع بعد التخلص من تكلسات قنوات الجزيرة الرياضية القطرية…
كم تأسفتُ لحاله… وكم حز في نفسي أن أراه يبرر نزوعه العروبي بتبريرات تافهة وغارقة في السطحية…
وفي النهاية، وجدت نفسي أغلق قناة تلو الأخرى…
وألغي الاشتراك هنا…
وأحذف التوصيات هناك…
حتى انتهى بي المطاف إلى قنوات أجنبية، ليس لأنها أفضل دائمًا، ولكن لأنها، في الغالب، تناقش كرة القدم باعتبارها كرة قدم، لا باعتبارها وسيلة لإعادة تشكيل الهويات أو مصادرة حقائق التاريخ…
وسط كل هذا الضجيج، يبقى السؤال مؤلمًا…
كيف لبلد بتعدد المغرب، وثرائه اللغوي والثقافي، ألا يملك سوى قناة أمازيغية واحدة تحاول، بإمكانات محدودة، أن تقدم رواية مختلفة، وتحافظ على جزء أصيل من هوية هذا الوطن؟…
نعم قد نختلف في تحليل مباراة…
أو في تقييم مدرب…
لكن التاريخ والهوية ليسا وجهة نظر… ولا هما موضوعين للمزايدات الإيديولوجية…
لذلك…
لا يجوز أن يتحولا إلى مادة للتسويق أو للمناكفات الإعلامية…
لقد عِقنا بكم منذ زمان…






