الرئيسية / مساحة حرة / قصص من الواقع.. حين يأتي الندم بعد فوات الأوان
مساحة حرة

قصص من الواقع.. حين يأتي الندم بعد فوات الأوان

2026-06-14 18:55 3 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 14 يونيو 2026

مصطفى تلاندين يكتب..

كان شاب من مدينة الناظور يعيش وسط عائلته الكبيرة في جو يسوده الترابط الأسري والاحترام. وبعد زواجه، استمر في حياته العائلية بشكل طبيعي، فلم ينس والديه ولم يتخل عنهما، بل كان بارًا بهما أشد البر.

وكان هذا الشاب معروفًا بنشاطه واجتهاده، فما من تجارة أو مشروع وضع يده فيه إلا وحقق فيه النجاح والتوفيق، وكأن أبواب الرزق كانت تُفتح له من كل اتجاه. وكان يرى أن بركة حياته تكمن في رضا والديه ودعائهما.

لكن الحياة لا تبقى على حال. فبعد مدة قصيرة من زواجه، توفيت والدته، فحزن عليها حزنًا شديدًا، غير أن ذلك زاده تعلقًا بوالده الذي أصبح وحيدًا بعد رحيل شريكة عمره. فصار يعتني به أكثر من ذي قبل، وحرص على أن يحظى بكل الرعاية والاهتمام داخل البيت.

كانت زوجته تعيش في راحة واستقرار، ولم تكن تفتقد شيئًا من متاع الدنيا، غير أنها لم تستطع التكيف مع وجود والد زوجها معهم في المنزل. ومع مرور الوقت، تحول الضيق إلى نفور، والنفور إلى رغبة في إبعاده عن حياتها بأي وسيلة.

وفي لحظة ضعف، استجابت لوساوس الشيطان، فنسجت رواية خطيرة، وأخبرت زوجها بأن والده يتحرش بها ويراقبها داخل المنزل. وقع الخبر على الابن كالصاعقة، فاحتار بين بر والده وتصديق زوجته التي يشاركها حياته.

وبدون تثبت أو بحث عن الحقيقة، غلبت العاطفة على العقل، فاختار تصديق زوجته، واتخذ قرارًا قاسيًا بطرد والده من المنزل، ناسيًا سنوات التربية والعطاء والتضحية.

خرج الأب مكسور الخاطر، يحمل في قلبه ألم الغدر من فلذة كبده الذي أفنى عمره من أجله. ولم تمض إلا أشهر قليلة حتى فارق الحياة حسرة وألمًا، بعدما أنهكه الحزن وخيبة الأمل.

ظنت الزوجة أنها حققت ما أرادت، وأنها ستعيش مع زوجها وحدهما في هدوء واستقرار، لكن الأقدار كانت تخفي ما لم يكن في الحسبان. فمرت السنوات دون أن يرزقا بالذرية، وبدأت الخلافات تدب بين الزوجين، وتحولت الحياة الهادئة إلى نزاعات متكررة انتهت بالطلاق وتشتت الأسرة.

أما الشاب، فقد بدأ يذوق مرارة الابتلاء؛ فتجارته التي كانت مزدهرة تعثرت، وأبواب الرزق التي كانت مفتوحة أُغلقت في وجهه واحدًا تلو الآخر، حتى فقد كثيرًا مما كان يملك، وأصبح يسترجع في ذاكرته ذلك اليوم الذي طرد فيه والده من بيته.

إنها قصة تحمل عبرة عظيمة.. فليس كل ما نسمعه حقيقة، والعدل يقتضي التثبت قبل إصدار الأحكام، خاصة إذا تعلق الأمر بالوالدين اللذين أفنيا عمريهما في التربية والعطاء.

فالظلم ظلمات يوم القيامة، وبر الوالدين من أعظم أبواب الخير، وعقوقهما من أشد أسباب الخسران. والديان لا يموت، وقد يتأخر الحساب، لكنه لا يغيب.

وسيأتي يوم لا ينفع فيه الندم.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *