” ريف رس ” 28 ماي 2026
مصطفى تلاندين يكتب..
غادر مدينة الناظور خلال ثمانينات القرن الماضي، مثل آلاف الشباب المغاربة الذين دفعتهم قسوة الظروف إلى الهجرة بحثاً عن لقمة العيش وبناء مستقبل أفضل. حمل حقيبة صغيرة وأحلاماً كبيرة، واتجه نحو إحدى الدول الأوروبية، حيث بدأ من الصفر، يشتغل لساعات طويلة في أعمال شاقة، متحدياً الغربة والوحدة وقسوة البدايات.
كان ينتمي إلى الجيل الأول من المهاجرين الذين صنعوا نجاحهم بالعرق والصبر. ومع مرور السنوات، تبدلت أحواله بشكل كبير، إذ تمكن من تأسيس مشاريع ناجحة، وتوسعت استثماراته تدريجياً حتى أصبح من رجال الأعمال المعروفين في تلك الدولة. ولم يكن نجاحه فردياً فقط، بل انعكس على أسرته أيضاً، حيث أصبحت زوجته وولداه يديرون مشاريع خاصة، وتحولت العائلة إلى واحدة من الأسر الميسورة مادياً.
لكن خلف هذا النجاح الكبير، كان هناك فراغ خفي لا يراه الناس.
فالرجل الذي امتلك المال والمشاريع والجاه، افتقد شيئاً أبسط وأغلى: الاهتمام العاطفي والدفء الأسري.
مع مرور الوقت، انشغلت الزوجة الأولى بإدارة مشاريعها وحياتها الخاصة، وأصبحت العلاقة بينهما أقرب إلى شراكة اقتصادية منها إلى حياة زوجية قائمة على المودة والاهتمام. كان يشعر أن البيت فقد روحه، وأن سنوات الكفاح الطويلة أوصلته إلى الرفاهية، لكنها أبعدته عن الحنان الذي كان يحتاجه مع تقدمه في العمر.
ظل يفكر طويلاً في حل يعيد إليه توازنه النفسي، قبل أن يقرر الزواج مرة ثانية. عاد إلى مدينته الأصلية الناظور، وهناك تعرف على فتاة شابة تصغره بحوالي خمسة وعشرين عاماً. ورغم فارق السن الكبير، تم الزواج، ثم اصطحبها معه إلى أوروبا، حيث وفر لها حياة مستقرة ومشروعاً خاصاً بها.
لكن المفاجأة لم تكن في الزواج نفسه، بل في التغيير الذي أحدثته الزوجة الثانية في حياته.
فقد أحاطته بعناية واهتمام كبيرين، واهتمت بتفاصيل حياته اليومية، واستطاعت أن تملأ الفراغ العاطفي الذي ظل يعاني منه لسنوات طويلة. استعاد نشاطه وحيويته، وعاد إليه الشغف بالحياة والعمل، الأمر الذي لم يمر مرور الكرام داخل البيت الأول.
الزوجة الأولى، التي تابعت هذا التحول عن قرب، بدأت تشعر بأن زوجها الذي ابتعد عنها عاطفياً عاد للحياة من جديد، لكن بفضل امرأة أخرى. وهنا بدأت تراجع نفسها، واستحضرت سنوات البدايات والكفاح المشترك، حين كانا يواجهان الحياة معاً قبل أن تسرقهما الحسابات المادية وضغوط الأعمال.
حاولت استعادة العلاقة القديمة، وأعادت التقرب من زوجها والاهتمام به، فاستجاب لذلك تدريجياً، خاصة أنه لم يكن يحمل لها كراهية، بل كان يبحث فقط عن الاهتمام الذي افتقده. وبعد فترة من التردد والصراع الداخلي، انتهى الأمر بعودة المياه إلى مجاريها بين الزوجين الأولين، وهو ما قاد في النهاية إلى طلاق الزوجة الثانية، مع حرص الزوج على منحها كامل حقوقها واحترامها.
ماذا تعلمنا هذه القصة؟
هذه القصة الواقعية تختزل جانباً مهماً من العلاقات الإنسانية، وتؤكد أن النجاح المادي لا يكفي وحده لصناعة السعادة. فالإنسان، مهما بلغ من الثراء أو المكانة، يبقى محتاجاً إلى الاهتمام والاحتواء والشعور بالتقدير داخل بيته.
كما تكشف أن الانشغال المفرط بالحياة العملية قد يخلق مسافات عاطفية خطيرة بين الأزواج، حتى وإن ظلت العلاقة مستقرة ظاهرياً. وفي المقابل، فإن الكلمة الطيبة والاهتمام الصادق قد يغيران نفسية الإنسان وحياته بالكامل.
وتؤكد القصة أيضاً أن بعض القرارات التي تبدو قاسية أو مفاجئة، مثل التعدد، قد تكون في أحيان معينة نتيجة فراغ عاطفي عميق، وليس مجرد نزوة عابرة كما يعتقد البعض.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم:
المال قد يبني بيتاً فخماً، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الدفء داخله.







