” ريف رس” 4 يونيو 2026
مصطفى تلاندين يكتب..
في صباح يوم من أيام الامتحانات الإشهادية، كان الأستاذ يقف رفقة زملائه عند باب المؤسسة التعليمية. كانت التعليمات واضحة: تشديد المراقبة ومحاربة الغش بكل الوسائل الممكنة. أجهزة الكشف في الأيدي، والعيون تراقب الداخلين واحداً تلو الآخر.
كان التلاميذ يتوافدون في صمت، بعضهم تبدو عليه علامات التوتر، وآخرون يراجعون آخر الدروس قبل الدخول إلى قاعات الامتحان.
تقدم تلميذ نحيل الجسم، يرتدي ملابس بسيطة ويضع على ظهره محفظة قديمة بهت لونها من كثرة الاستعمال. أثارت المحفظة انتباه الأستاذ فطلب منه فتحها.
مدّ التلميذ يده بخجل، وفتح المحفظة ببطء.
لم يجد الأستاذ هاتفاً ولا سماعة ولا أي وسيلة للغش.
وجد قطعة خبز ملفوفة بعناية، وبيضة مسلوقة، وقنينة ماء صغيرة.
رفع الأستاذ رأسه وسأل التلميذ:
- هل هذا فطورك؟
ابتسم التلميذ ابتسامة خفيفة وقال:
- لا أستاذ، هذا فطوري وغدائي معاً. خرجت من الدوار قبل السادسة صباحاً، ولن أعود إلى البيت إلا بعد انتهاء الامتحان.
شعر الأستاذ بشيء يعتصر قلبه، لكنه واصل عمله.
بعد دقائق، فتحت محفظة تلميذة أخرى. كانت تحتوي على قطعة خبز وبعض حبات الفاكهة. ثم محفظة ثالثة فيها علبة سردين صغيرة وطرف خبز يابس.
أما المحافظ نفسها فكانت شاهدة على واقع أصحابها؛ سحابات معطلة، وأطراف ممزقة، ودفاتر استُعملت حتى آخر صفحة فيها.
في تلك اللحظة تغير المشهد كله في نظر الأستاذ.
لم يعد يرى مترشحين للامتحان فقط، بل رأى أطفالاً يحملون أحلاماً أكبر من أعمارهم. رأى من يستيقظ قبل الفجر ليقطع الكيلومترات سيراً أو في وسائل نقل متعبة. رأى من يحارب الفقر قبل أن يحارب صعوبة الامتحان. رأى من يخوض معركة يومية من أجل البقاء في مقاعد الدراسة.
دخل التلاميذ إلى القاعات، وبقي الأستاذ واقفاً عند الباب يفكر.
تساءل في نفسه: كم من مرة نحكم على هؤلاء التلاميذ دون أن نعرف قصصهم؟ كم من مرة نطلب منهم التفوق دون أن نسأل عن الظروف التي يعيشونها؟
أدرك أن محاربة الغش ضرورة لا نقاش فيها، لكن هناك معركة أخرى أكثر صعوبة، معركة ضد الفقر والهشاشة واليأس.
عندما انتهى اليوم الدراسي وغادر التلاميذ المؤسسة، ظل مشهد قطعة الخبز والبيضة وقنينة الماء عالقاً في ذهنه.
لقد اكتشف في ذلك الصباح أن بعض المحافظ لا تخفي وسائل للغش، بل تخفي قصصاً من الصبر والكفاح والكرامة.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأى تلميذاً يحمل محفظته على ظهره، تذكر أن خلف كل محفظة حكاية، وخلف كل حكاية حلم يستحق أن يجد من يحميه ويؤمن به.







