” ريف رس ” 22 أكتوبر 2026
يبدو أن بعض مشاريع التهيئة الحضرية بمدينة الناظور باتت تحتاج، إلى جانب المهندسين والتقنيين، إلى خبراء في علم الخيال، وربما إلى مختصين في تصميم الأجنحة، بعدما كشفت الأشغال الجارية بسكتور 5 من مشروع جنان مارشيكا، على مستوى الممر المائي المحاذي لشارع الريف الكبير، المعروف ( بشارع 80 )، عن اكتشاف هندسي يستحق التسجيل في موسوعة الغرائب، طريق مهيأ وممر مائي وأشغال متواصلة، لكن رصيف الراجلين غائب عن المشهد!.
هكذا بكل بساطة، يبدو أن من وضعوا التصاميم قرروا، في لحظة إبداع هندسي استثنائية، أن المواطن الذي يريد المرور عبر هذا المسار لا يحتاج إلى رصيف، ولا إلى ممر آمن، ولا حتى إلى ضمانات أساسية تحمي حياته. كل ما يحتاج إليه، على ما يبدو، هو جناحان قويان يمكّنانه من التحليق فوق الطريق، تفادياً للسيارات ومخاطر السير!.
أما المواطن الذي لم يحالفه الحظ في امتلاك هذه الأجنحة، فعليه أن يمشي وسط الطريق، ويغامر بسلامته، ويستعرض مهاراته في تفادي المركبات، وكأنه يشارك في سباق حواجز، لا أنه يسير في فضاء حضري يفترض أنه أُنجز لخدمة المواطنين!.
وهنا ثمة سؤال يفرض نفسه بإلحاح، ما نوع المهندسين الذين يصممون مثل هذه المشاريع؟ وهل يتضمن التكوين الهندسي تخصصاً جديداً اسمه «تهيئة المدن دون احتساب الراجلين»؟ أم أن التصاميم أصبحت تُنجز على أساس أن جميع المواطنين يمتلكون سيارات، وأن من لا يملك سيارة عليه إما أن يستعير واحدة أو يتعلم الطيران؟.
المفارقة الساخرة أن الأشغال التي يفترض أن تجعل الفضاء أكثر جاذبية وتنظيماً قد تضع المواطن أمام مشهد أقرب إلى الأحجية، تريد المرور بمحاذاة الممر المائي؟ تفضل، ولكن أين ستضع قدميك؟ هل تسير وسط الطريق؟ أم تبحث عن مسلك بديل؟ أم تنتظر أن تنتهي الأشغال ليخبرك أحدهم بأن الرصيف لم يكن ضمن الخطة أصلاً؟.
إن الأمر لا يتعلق هنا برفاهية إضافية أو بمطلب تجميلي يمكن تأجيله إلى إشعار آخر، بل بسلامة المواطنين الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى السير وسط الطريق بسبب غياب رصيف مخصص لهم. وهنا تتحول السخرية إلى سؤال جدي ومقلق، من يتحمل مسؤولية هذا الاختيار التصميمي؟ وهل خضعت التصاميم لدراسة فعلية لحاجيات مستعملي الطريق، أم أن الراجلين لم يظهروا إلا بعد انطلاق الأشغال، بوصفهم ضيوفاً غير متوقعين في مشروع تهيئة حضرية؟.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن الرصيف، الذي يُعد من أبسط عناصر البنية التحتية الحضرية، يبدو في هذا المقطع الطرقي وكأنه اختراع هندسي بالغ التعقيد يحتاج إلى لجنة خاصة وخبراء دوليين وربما بعثة فضائية لاكتشاف كيفية إنجازه.
ما الجدوى من تهيئة الفضاءات وتجميلها إذا كان المواطن لا يستطيع المرور عبرها بأمان؟ وما معنى الحديث عن تحديث المدينة إذا كان الراجل مطالباً بالمخاطرة بحياته لمجرد الانتقال من نقطة إلى أخرى؟ وهل أصبحت جمالية المشاريع أهم من سلامة الإنسان الذي يفترض أن تكون هذه المشاريع في خدمته؟

إن الجهات المشرفة على أشغال سيكتور 5 بجنان مارشيكا مطالبة بتوضيح هذا الغياب الغريب، وتدارك الأمر قبل انتهاء الأشغال، بدل ترك المواطنين رهائن لتصميم لا يوفر لهم، في وضعه الحالي، مساراً واضحاً وآمناً للمشي.
فالمواطنون لا يطالبون بمدرج للإقلاع ولا بمطار صغير على قارعة الطريق، ولا ينتظرون من المهندسين اختراع وسيلة نقل جديدة. كل ما يريدونه هو رصيف يمشون فوقه بأقدامهم، مثلما يحدث في المدن التي تحترم أبسط قواعد التهيئة الحضرية.
أما إذا كان الرصيف قد سقط سهواً من التصميم، فنرجو من أصحاب الاختصاص تدارك هذا السهو قبل أن يضطر المواطنون إلى تقديم طلب رسمي للحصول على أجنحة.!
وإلى ذلك الحين، سيظل السؤال معلقاً فوق الممر المائي،هل صُممت هذه التهيئة لخدمة المواطنين، أم أن المواطنين هم من أصبحوا مطالبين بالتكيف مع أخطاء التصميم؟
في جنان مارشيكا، يبدو أن بعضهم يخطط للطرق، وآخرين يخططون للممرات المائية، لكن لا أحد فكّر في المواطن الذي يحتاج فقط إلى أن يمشي دون أن يخاطر بحياته.








