” ريف رس” 22 اكتوبر 2026
مصطفى تلاندين
عندما عظمنا التفاهة ومنحناها مساحة أكبر من حجمها، بدأنا نتذوق مرارتها في واقعنا اليومي، وأصبحنا نرى كيف تحولت بعض مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصات لترويج الانحطاط الأخلاقي، بحثا عن الشهرة السريعة وجمع المشاهدات والمتابعات، ولو كان الثمن هو التخلي عن المبادئ والقيم الإنسانية.
لقد أصبح بعض الأشخاص، ذكورا وإناثا، يعتقدون أن الطريق إلى الشهرة يمر عبر إثارة الجدل، ونشر الكلام الساقط والبذيء والفاحش، واستعراض العري، وتوظيف الجنس في صناعة المحتوى، فضلا عن الكذب والسب والشتم والتشهير بالآخرين. وكأن الأخلاق أصبحت عائقًا أمام الانتشار، والحياء ضعفا، والابتذال وسيلة مضمونة لتحقيق الشهرة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: من صنع هذه النماذج؟ ومن منحها هذه المكانة؟
الحقيقة أن المسؤولية لا تقع على صناع المحتوى وحدهم، بل يتحمل الجمهور أيضا جزءا منها، حين يمنح التفاهة ملايين المشاهدات، ويحوّل أصحابها إلى مشاهير، بينما يتجاهل أصحاب الفكر والمعرفة والإبداع والمواقف الجادة. فكل مشاهدة، وكل مشاركة، وكل تفاعل غير محسوب، قد يساهم في صناعة نموذج يقتدي به الآخرون، خصوصًا الأجيال الصاعدة.
إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في محتوى تافه يُستهلك لبضع دقائق، بل في منظومة من القيم المقلوبة تجعل الإنسان يعتقد أن الشهرة أهم من الكرامة، وأن كثرة المتابعين دليل على النجاح، وأن إثارة الغرائز وإهانة الآخرين أقصر الطرق إلى تحقيق المكانة الاجتماعية.
لسنا ضد الترفيه، ولا ضد حرية التعبير، ولا ضد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في صناعة محتوى ممتع ومبتكر؛ لكننا ضد تحويل الحرية إلى غطاء للانحلال، وتحويل الشهرة إلى مبرر للتخلي عن الأخلاق، وجعل الإساءة والابتذال سلعة تُباع وتُشترى على حساب الذوق العام وكرامة الإنسان.
إن المجتمعات لا تتقدم بكثرة مشاهيرها، بل بقيمة ما تنتجه من فكر ومعرفة وإبداع. ولا تُقاس مكانة الإنسان بعدد المتابعين، وإنما بما يحمله من مبادئ، وما يقدمه من نفع، وما يتركه من أثر طيب في محيطه.
عندما نعظم التفاهة، فإننا لا نرفع أصحابها وحدهم، بل نساهم في خفض قيمة الجدية والأخلاق والمعرفة. وعندما نكافئ الابتذال بالاهتمام، فلا ينبغي أن نستغرب حين يصبح الابتذال هو السائد.
لذلك، فإن استعادة التوازن تبدأ من وعينا واختياراتنا: أن نمنح الاهتمام لمن يستحقه، وأن ندعم المحتوى الهادف، وأن نرفض تحويل الإساءة إلى مادة للفرجة، وأن ندرك أن الشهرة بلا قيمة قد تكون صخبًا عابرًا، لكنها تترك خلفها خسائر عميقة في الوعي والذوق والقيم.
فليس كل مشهور قدوة، وليس كل ما ينتشر يستحق المشاهدة، وليس كل من يضحك الجمهور يضيف شيئًا إلى المجتمع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع ما ليس أن تنتشر فيه التفاهة فحسب، بل أن يفقد القدرة على التمييز بينها وبين القيمة، وأن يصفّق لما كان ينبغي أن يرفضه، ثم يكتشف، بعد فوات الأوان، أنه ساهم بيديه في صناعة واقع يشتكي اليوم من مرارته.







