الرئيسية / مساحة حرة / عندما يمسك بالقلم حمار وبالإدارة فاسد وبالمسؤولية متغوّل وبالإعلام مطبّل… يتحول الوطن إلى غابة لا تصلح للبشر
مساحة حرة

عندما يمسك بالقلم حمار وبالإدارة فاسد وبالمسؤولية متغوّل وبالإعلام مطبّل… يتحول الوطن إلى غابة لا تصلح للبشر

2026-11-03 18:01 3 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس “3 نوفمبر 2026

كاميليا ـ ه

عندما يمسك بالقلم حمار وبالمسؤولية متغوّل وبالإدارة فاسد وبالإعلام مطبّل… يتحول الوطن إلى غابة لا تصلح للبشر، قد تبدو هذه المقولة قاسية ، لكنها تختزل واقعاً عبثياً تختلط فيه الأدوار، وتُكافأ فيه الرداءة، وتُقصى الكفاءات، ويصبح التملق جسراً إلى المناصب، بينما تتحول المسؤولية من أمانة لخدمة الوطن إلى غنيمة لتوسيع المصالح والنفوذ.

حين يمسك الجهل بالقلم، تُزيَّف الحقائق وتُجمَّل الرداءة، وحين يستولي الفساد على الإدارة، يصبح المواطن رهينة الملفات المتعثرة والمساطر المعقدة، وحين يتخلى الإعلام عن رسالته، يتحول التطبيل إلى مهنة، والنقد إلى تهمة، وكشف الاختلالات إلى مصدر إزعاج لمن لا يحتملون سماع الحقيقة. أما حين تتغول السلطة وتتحول المسؤولية إلى وسيلة لفرض القرارات وتوسيع النفوذ، فحدّث ولا حرج!

اما خطابات النزاهة والشفافية، وشعارات الإصلاح وخدمة الصالح العام،فيقابلها واقع يطرح أسئلة محرجة حول المحاسبة وتكافؤ الفرص واحترام مصالح المواطنين. يريد البعض من الشعب أن يصفق دون أن يسأل، وأن يثق دون أن يتحقق، وأن يكتفي بالوعود حتى لو طال انتظار النتائج.

والمفارقة الساخرة أن بعض من يتحدثون عن الإصلاح ينزعجون من المساءلة، ومن يرفعون شعار القانون يضيقون ذرعاً بتطبيقه حين يقترب من مصالحهم، ومن يتحدثون عن الحكامة الجيدة يعتبرون النقد تشويشاً، وكأن المنصب يمنح صاحبه حصانة أخلاقية، وكأن الجلوس على كرسي المسؤولية يمنح صاحبه حق التصرف في الشأن العام دون رقابة أو حساب.

أما الإعلام، الذي يفترض أن يكون عين المجتمع وصوته، وأن يؤدي دوراً أساسياً في كشف الاختلالات ومساءلة المسؤولين ونقل الحقيقة للرأي العام، فإن بعض ممارساته تثير بدورها أسئلة حول استقلاليته ومدى وفائه لرسالته. فعندما يتحول القلم من أداة لكشف الحقيقة إلى وسيلة لتلميع المسؤولين، وعندما يصبح التطبيل بديلاً عن النقد المهني، وتُمنح المساحة للخطاب الرسمي على حساب هموم المواطنين، يفقد الإعلام جزءاً من وظيفته الرقابية، ويتحول من سلطة معنوية تراقب تدبير الشأن العام إلى واجهة لتسويق الروايات الجاهزة وتبرير الإخفاقات.

فالإعلام ليس مطالباً بمعاداة المسؤولين، كما أنه ليس مطالباً بالتستر على أخطائهم، بل إن رسالته تقتضي التوازن والاستقلالية والتحقق من المعطيات، وإتاحة المجال للنقاش المسؤول، ووضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة. وحين يغيب هذا الدور، يجد المواطن نفسه محاصراً بين مسؤول يرفض المساءلة وإعلام يختار الصمت أو التطبيل، فتضيع الحقيقة بين ضجيج التصريحات وغياب النقد الجاد.

أما حين تتحول سلطة المسؤولين إلى امتياز شخصي، ويصبح القرار وسيلة لفرض النفوذ بدل تحقيق المصلحة العامة، فإن الخلل يتجاوز حدود التدبير اليومي إلى جوهر العلاقة بين المسؤول والمواطن. فالمسؤول ليس فوق المحاسبة، والمنصب ليس تفويضاً مفتوحاً، والسلطة ليست ملكية خاصة، بل مسؤولية يحدد القانون حدودها وتفرض المصلحة العامة غاياتها.

لكن الأوطان لا تنهار بسبب الأخطاء وحدها، بل حين تصبح الأخطاء قاعدة، والفساد أمراً مألوفاً، والنزاهة استثناءً، ومحاسبة المسؤولين تهديداً ينبغي مقاومته، ويصبح النقد تهمة بدل أن يكون وسيلة لتصحيح المسار.

فالوطن ليس ضيعة خاصة، وسلطة المسؤولين ليست ملكاً لأصحاب المناصب، والإدارة ليست ملكاً لموظفيها، والإعلام ليس بوقاً في موكب المتنفذين، والقلم ليس أداة لتزييف الوعي أو تبرير الإخفاقات. فكل موقع من هذه المواقع يحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه المجتمع، وكل انحراف عن هذه المسؤولية ينعكس سلباً على ثقة المواطنين في المؤسسات.

ولعل السؤال الأكثر إزعاجاً ليس من أمسك بالقلم؟ ومن جلس على كرسي السلطة؟ ومن اختار الصمت حين كان الكلام واجباً؟ بل السؤال هو، من سمح للرداءة بأن تتصدر، وللكفاءة بأن تتراجع، وللمحاسبة بأن تتحول إلى مطلب مؤجل، وللإعلام بأن يتخلى أحياناً عن دوره الرقابي، وللمسؤولية بأن تنفصل عن نتائج القرارات المتخذة باسم المواطنين؟

فالمناصب زائلة، والكراسي لا تدوم، والمصالح تتغير، أما آثار القرارات والممارسات فتبقى في ذاكرة الناس. وحين تُفتح دفاتر الحساب، لن تنفع كثرة الشعارات، ولن يشفع التطبيل لأحد، ولن يكون الصمت دليلاً على النجاح.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *