الرئيسية / مساحة حرة / ما أحوجنا الى هذه الثقافة والتربية!
مساحة حرة

ما أحوجنا الى هذه الثقافة والتربية!

2026-10-28 18:06 5 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 28 اكتوبر 2026

جمال الغازي/ ألمانيا

منذ السنوات الأخيرة، قررت أن أبدأ أرشفة كل حدث أو فكرة أو جلسة أتذكرها، وكل ما عشته أو سمعته من حكايات وشهادات، حتى تبقى محفوظة للتاريخ وللأجيال القادمة. فكثير من التفاصيل التي عشناها، والعادات التي عرفناها، قد تضيع مع مرور الزمن إذا لم نحرص على تدوينها. ومن هذا المنطلق، أواصل الكتابة والتوثيق، مستحضرا ما عشته وشهدته، وما سمعته من الآخرين، رغبة مني في حفظ جزء من ذاكرتنا الاجتماعية والثقافية الأمازيغية الريفية.

في الريف المغربي، لم تكن الحياة الاجتماعية قائمة على الأسرة الصغيرة وحدها، بل كانت تمتد لتشمل الأسرة الكبيرة والجيران والأصدقاء وجماعة المسجد. وكانت «ثداث ثمقرانت»، أي الدار الكبيرة، تؤدي دورا مهما في جمع الأسرة الصغيرة داخل إطار عائلي أوسع، حيث تلتقي الأجيال، وتتقاسم المسؤوليات، وتنتقل التجارب والقيم من الكبار إلى الصغار. لم تكن الدار الكبيرة مجرد مكان للسكن، بل كانت فضاء للتواصل والتكافل، وملاذا يجد فيه أفراد الأسرة السند عند الحاجة.

أما الجيران، فقد كانت العلاقة بهم تتجاوز حدود السكن المتجاور. كان الجار بمنزلة الأخ، تقوم العلاقة معه على الثقة والاحترام والتعاون، ويشعر المرء أن ما يصيب جاره يعنيه أيضا. في الأفراح والأحزان، وفي أوقات الشدة والضيق، كان الجيران حاضرين، لا ينتظرون دائما دعوة أو مقابلا. وكانت الصحبة بدورها تحتل مكانة خاصة؛ فالصديق لم يكن مجرد رفيق للوقت، بل شخصا له منزلة، تحفظ له العشرة والمواقف، ويظهر صدقه عند الحاجة.

وكانت جماعة المسجد تمثل بدورها حلقة من حلقات التضامن الاجتماعي. فإذا غاب أحد المعتادين على الحضور، انتبه الناس إلى غيابه، وسألوا عنه وتفقدوا أحواله، خصوصا إذا طال غيابه أو كانت هناك أسباب تدعو إلى القلق. كانت هذه المبادرات تعكس شعورا بالمسؤولية تجاه الآخرين، وتؤكد أن الإنسان لم يكن يعيش بمعزل عن محيطه، بل ضمن شبكة من العلاقات التي تمنحه الإحساس بالانتماء والأمان، مع احترام خصوصية الناس وأحوالهم.

وتجلت هذه الروح بوضوح في الأعراس، التي لم تكن مجرد مناسبة للاحتفال، بل حدثا اجتماعيا تشارك فيه الأسرة والجيران والأصدقاء. كان الجميع يساهم بما يستطيع، سواء في إعداد الطعام، أو استقبال الضيوف، أو ترتيب مستلزمات العرس، أو القيام بالأعمال التي تتطلب أيدي كثيرة. ومن هنا تبرز قيمة «ثويزا»، القائمة على العمل الجماعي والتعاون، وهي ممارسة عرفها المجتمع الريفي في مجالات متعددة، منها الفلاحة والحصاد وبناء البيوت، كما ارتبطت بأشكال من المساعدة في المناسبات الاجتماعية.

وكانت «رغرامث» من مظاهر التعاون في الأعراس، إذ يقدم الأقارب والجيران والأصدقاء مساهمات مالية أو هدايا للعريس والعروس، كل حسب قدرته واستطاعته. ولم تكن قيمة المساهمة وحدها هي المهمة، بل ما تعبر عنه من تضامن ومشاركة في فرحة الأسرة. كما كانت «إزران»، بما تحمله من شعر وغناء أمازيغي ريفي، تضفي على الأعراس طابعا ثقافيا يعكس الذاكرة الجماعية والوجدان المحلي، وينقل إلى الأجيال جوانب من اللغة والتعبير الفني والتجربة الاجتماعية.

ولم يقتصر التضامن على الأفراح؛ ففي الجنائز ومجالس العزاء، كان الجيران والأقارب يتقاسمون الأعباء، ويساعدون في استقبال المعزين وإعداد ما يلزم، ويقفون إلى جانب الأسرة المكلومة. كانت المواساة تظهر في الحضور والمساعدة والكلمة الطيبة، وفي تخفيف بعض المسؤوليات عن أهل الفقيد في وقت يصعب عليهم فيه القيام بكل شيء. وهكذا كان المجتمع يشارك الأسرة حزنها، كما شاركها فرحها.

ومن الذكريات التي تروى عن بعض المداشر، أن الناس كانوا يتعاونون حتى في مواجهة خسارة قد تصيب أحدهم. فإذا أصيب عجل أحد السكان إصابة خطيرة وكان يُخشى موته، شاع الخبر بين أهل الحي، وقد يبادر بعضهم إلى شراء لحمه قبل أن يموت الحيوان، وفق ما تسمح به ظروف ذلك الزمن، حتى لا يتحمل صاحبه الخسارة كاملة، ويستفيد الآخرون من اللحم بثمن أقل. وهذه حكاية من الذاكرة المحلية تستحق التوثيق في سياقها التاريخي، مع التأكيد أن صلاحية اللحم وسلامته لا بد أن تخضعا للفحص البيطري والضوابط الصحية.

وقد عرفت هذه الممارسات، بأشكال متفاوتة، مناطق مختلفة من الريف، ومنها حي بوبلاو ومناطق بني بويحيي وبني أوليشك. ومن خلال ما عاينته وسمعته، أرى أن بعض مظاهر التعاون والتواصل ما زالت حاضرة في حي كامايو بمليلية، رغم التحولات التي عرفتها الحياة الحديثة. وتبقى هذه الشهادات المحلية مهمة، لأنها تحفظ تفاصيل قد لا نجدها مكتوبة في الكتب، لكنها تحتاج إلى جمع المزيد من الروايات ومقارنتها وتوثيقها حتى تتضح صورة كل منطقة وعاداتها.

لا يعني استحضار الماضي أن كل ما كان فيه أفضل، أو أن العلاقات القديمة كانت خالية من الخلافات، لكن من المهم أن نتوقف عند القيم التي كانت تمنح الحياة الاجتماعية تماسكها: السؤال عن الغائب، ومساعدة الجار، والوفاء للصديق، وتقاسم أعباء الفرح والحزن، وإشراك الجميع في المسؤولية بحسب الاستطاعة. أما اليوم، فيشعر كثيرون ببرودة في بعض العلاقات الاجتماعية، وبأن الانشغالات الحديثة قللت من فرص اللقاء والتواصل. وهذا لا يعني اختفاء التضامن، بل يدعونا إلى التفكير في كيفية الحفاظ عليه وتجديده بما يناسب حياتنا الحالية.

إن توثيق هذه العادات ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو محاولة لفهم مجتمعنا، وحفظ ما يستحق البقاء من تجاربه وقيمه. فحين نكتب عن الدار الكبيرة والجيرة والصحبة وجماعة المسجد وثويزا ورغرامث وإزران، فإننا لا نسجل أسماء عادات فحسب، بل نحفظ جانبا من طريقة عيش الناس، ومن العلاقات التي كانت تجمعهم وتعينهم على مواجهة صعوبات الحياة.

أكتب ما أتذكره فقط وما يصلني من شهادات من بعض الاوفياء، وأدعو الجميع الى الانتباه ان الارشفة مهمة جدا في حياتنا اليومية، خصوصا أن كثيرا من تفاصيل تاريخنا الاجتماعي لا تزال محفوظة في صدور من عاشوها، وتنتظر من يصغي إليها ويسجلها بأمانة.

مراجع للاستئناس والتوسع:

ملاحظة: هذه المراجع تقدم خلفية عامة عن بعض العادات والتقاليد، ولا تثبت وحدها جميع التفاصيل المحلية الواردة في المقال؛ فبعضها قائم على الذاكرة الشخصية والروايات الشفوية التي تحتاج إلى مزيد من التوثيق.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *