الرئيسية / مساحة حرة / حين يُهان العلم ويُكافأ الجهل.. مقولة تختصر أزمة مجتمع بأكمله
مساحة حرة

حين يُهان العلم ويُكافأ الجهل.. مقولة تختصر أزمة مجتمع بأكمله

2026-09-28 17:13 3 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 28 شتنبر 2026

هناك عبارات قصيرة تختصر أحياناً أزمة مجتمع بأكمله، ومن أكثرها دلالة تلك المقولة المتداولة، «الوطن الذي ترى فيه الجاهل يجلس في المقهى وطالب العلم يقدم له المشروب، ارحل منه بأقصى سرعة».

قد تبدو العبارة قاسية ومبالغاً فيها، لكنها تفتح باباً واسعاً للتأمل في مسألة أعمق بكثير من مجرد مشهد داخل مقهى. إنها تتساءل عن المكانة التي يمنحها المجتمع للعلم، وعن المعايير التي يُقاس بها النجاح، وعن السبب الذي يجعل بعض الأشخاص يحظون بالتقدير والنفوذ رغم محدودية معرفتهم، بينما يكافح أصحاب العلم والكفاءة للوصول إلى أبسط حقوقهم.

المشكلة ليست في أن يعمل طالب العلم في مقهى، فكل عمل شريف يستحق الاحترام، وليس العيب في أن يجلس شخص قليل التعليم في مقهى. فالعمل ليس عاراً، والخدمة ليست انتقاصاً من قيمة الإنسان، كما أن الشهادة العلمية وحدها لا تجعل صاحبها أفضل من غيره.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما ينقلب ميزان القيم ،عندما يصبح الجهل مصدر نفوذ، ويصبح العلم عبئاً، وعندما يُنظر إلى المعرفة باعتبارها أمراً ثانوياً، بينما تُفتح الأبواب أمام من يملك المال أو العلاقات أو القدرة على فرض نفسه، بصرف النظر عن مستوى كفاءته.

في المجتمعات التي تضع العلم في مكانته، لا يُقاس الإنسان فقط بما يملك، وإنما بما يعرف، وما يستطيع أن يقدم، وما يضيفه إلى محيطه. أما حين تصبح الشهرة أعلى قيمة من المعرفة، والمظهر أقوى من الكفاءة، والعلاقات أهم من الاستحقاق، فإن الرسالة التي تصل إلى الأجيال الجديدة تكون خطيرة، لا تتعب نفسك في التعلم، فهناك طرق أخرى للوصول.

وهنا تحديداً تكمن خطورة المسألة.

فالشاب الذي يقضي سنوات في الدراسة، ويبحث ويقرأ ويتخصص، يحتاج إلى أن يرى ثمرة جهده في المجتمع. وإذا وجد أن أصحاب الكفاءة يتم تهميشهم، وأن الوصول لا يرتبط دائماً بالاستحقاق، فقد يفقد الإيمان بقيمة الاجتهاد نفسه.

ولا يتعلق الأمر بطلبة العلم وحدهم. الطبيب والمهندس والأستاذ والباحث والحرفي الماهر وكل إنسان يتقن عمله يحتاج إلى بيئة تكافئ الكفاءة وتحترم الجهد. فالمجتمع لا يتقدم بكثرة المتعلمين فقط، وإنما عندما تتحول المعرفة إلى قيمة اجتماعية حقيقية.

ومن الخطأ أيضاً أن نحول المقولة إلى دعوة حرفية إلى مغادرة الوطن. فالأوطان لا تُبنى بالرحيل، ولا تصلح بمجرد الهروب منها. الأصح أن تُقرأ العبارة باعتبارها صرخة احتجاج على اختلال سلم القيم ، ماذا يحدث عندما لا يعود العلم طريقاً إلى الاحترام؟ وماذا يحدث عندما يشعر صاحب الكفاءة أن جهده لا يساوي شيئاً أمام نفوذ الجاهل أو صاحب المال أو صاحب العلاقات؟

إن احترام العلم لا يعني احتقار من لم تتح له فرصة التعلم، ولا يعني تقسيم المجتمع إلى «متعلمين» و«جهلة». فالمعرفة الحقيقية تعلم الإنسان التواضع قبل أي شيء آخر. وإنما المطلوب هو مجتمع يجعل الكفاءة والاستحقاق والأخلاق والعمل الجاد من المعايير الأساسية في تقدير الناس وتولي المسؤوليات.

فليست المشكلة في أن يقدم طالب العلم كوباً من القهوة، وإنما في أن يصبح الجهل هو الذي يحدد لمن تُقدم الكؤوس، ومن يجلس في الصف الأول، ومن يملك حق الكلام، ومن يُسمع صوته.

وحين يصبح هذا هو الواقع، فإن السؤال الذي تطرحه المقولة لا يعود «هل ترحل؟»، بل يصبح أكثر عمقاً «كيف نعيد للعلم قيمته، وللكفاءة مكانتها، وللعمل الجاد احترامه؟»

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *