” ريف رس ” 16 شتنبر 2026
جمال الغازي
في هذه الحلقة اتوقف عند شخصية ناظورية عرفتها، وارتبط اسمها بالتعليم والثقافة والبحث الادبي، وواكبت جانبا مهما من الحياة الثقافية في الناظور والريف خلال عقود.
انه الدكتور عبدالله شريق، ابن فرخانة، الذي جمع في مساره بين العمل التربوي والبحث الاكاديمي والنشاط الثقافي. بدأ حياته الدراسية في فرخانة، ثم تابع تعليمه بالناظور وفاس، قبل ان يلج ميدان التعليم ويتدرج في عدد من المسؤوليات التربوية والادارية، دون ان يتخلى عن اهتمامه بالادب والنقد والبحث.
ولد عبدالله شريق بفرخانة سنة 1953. تلقى تعليمه الابتدائي بمجموعة مدارس فرخانة، مدرسة سيدي محمد بن عبدالله، ثم تابع تعليمه الثانوي بثانوية عبد الكريم الخطابي بالناظور. وبعد ذلك انتقل الى فاس لمتابعة دراسته العليا بكلية الاداب والعلوم الانسانية، حيث حصل على الاجازة في الادب العربي.
ومن فاس انتقل الى ميدان التعليم، فاشتغل استاذا للتعليم الثانوي التاهيلي بثانوية عمر بن عبد العزيز بمدينة وجدة، ثم انتقل في بداية الثمانينيات الى ثانوية محمد الخامس للتعليم الاصيل، وبعدها الى ثانوية عبد الكريم الخطابي التاهيلية بالناظور.
وتدرج في المسؤوليات التربوية والادارية، فاشتغل حارسا عاما للخارجية بالمؤسسة نفسها، قبل ان يلتحق بالمديرية الاقليمية للتعليم بالناظور، حيث تولى رئاسة مصلحة الشؤون التربوية، وظل يشغل هذه المسؤولية الى ان احيل على التقاعد.
غير ان المسار المهني لم يكن بالنسبة اليه نهاية لمسيرة طلب العلم، فقد واصل البحث والتعمق في الادب والنقد، الى ان حصل سنة 2005 على دكتوراه الدولة في الادب الحديث من كلية الاداب بالرباط.
ومن السمات التي تستحق التنويه في شخصيته انه لم يتعامل مع التربية باعتبارها وظيفة ادارية فقط، بل ظل حاضرا فيها بصفته مربيا قبل ان يكون مسؤولا. وقد عرفه من اشتغلوا معه كشخصية تربوية تتميز باخلاق عالية وهدوء في التعامل وتواضع وروح انسانية، وهي صفات جعلت علاقته بالمتعلمين والزملاء والفاعلين في المجال التربوي تتجاوز حدود المسؤولية المهنية.
ولم تكن علاقة عبدالله شريق بالثقافة وليدة مرحلة متاخرة من حياته، فقد ارتبط اسمه بالحركة الثقافية في الناظور منذ اواخر سبعينيات القرن الماضي، وكان من رواد العمل الثقافي بالمدينة، وساهم في تاسيس عدد من الجمعيات والمنابر، من بينها جمعية الانطلاقة الثقافية، والحضور الثقافي، والماس، وفرع اتحاد كتاب المغرب، ومنتدى حوار.
وتعد جمعية الانطلاقة الثقافية بالناظور محطة مهمة في هذه المرحلة، فقد شكلت في اواخر السبعينيات فضاء لعدد من الاطر الجامعية والمثقفين الذين ساهموا في تحريك الساحة الثقافية المحلية. وارتبط نشاط عبدالله شريق من خلالها بقضايا الادب والثقافة والانتاج الابداعي المحلي، في مرحلة كانت فيها الناظور تعرف بداية تشكل حركة ثقافية جديدة.
وقد عرفت المنطقة خلال هذه الفترة ظهور عدد من الاسماء والفعاليات الثقافية، من بينها قاضي قدور، و قيس مرزوق الورياشي، ومحمد الشامي، والحسين القمري، وعبدالله شريق، ومحمد اقضاض، الى جانب اخرين ساهموا في تنشيط الحياة الثقافية والادبية والفنية.
وفي سنة 1995، اصدر عبدالله شريق، الى جانب صديقيه الحسين القمري ومحمد اقضاض، مجلة “فضاءات مغربية”، التي لم تعمر طويلا، واستمرت بين 1995 و1998. كما نشر مجموعة من المقالات والدراسات في المجلات والصحف الوطنية، من بينها انوال، والملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، والعلم الثقافي، وافاق، والكاتب.
وشارك كذلك في ندوات ومهرجانات ادبية وثقافية محلية ووطنية ودولية، وامتد حضوره الى عدد من المدن المغربية والاوروبية، من بينها الناظور وفاس والرباط والدار البيضاء ووجدة وشفشاون وتطوان، وروتردام بهولندا، وفيلا ريال دي سان انطونيو بالبرتغال، ومونتي مورلو بايطاليا.
وفي المسار الثقافي العام للريف، جاءت تجربة عبدالله شريق في مرحلة شهدت تحولات متتابعة. فقد مرت الحركة الثقافية في المنطقة، كما تناولتها احدى الدراسات، من مرحلة هيمنة الثقافة الايبيرية خلال فترة الحماية، الى مرحلة التهميش بعد الاستقلال، ثم الانطلاقة الثقافية الاولى في سنوات السبعينيات، فالركود خلال الثمانينيات، ثم الانطلاقة الثقافية الثانية في سنوات التسعينيات، تلتها مرحلة البناء الثقافي في العقد الاول من الالفية الثالثة، ثم مرحلة النضج والازدهار خلال العقد الثاني منها.
وخلال هذه المراحل، تطورت الحركة الثقافية في الريف على مستويات متعددة، وشملت الادب والمسرح والموسيقى والفنون والصحافة والدراسات الثقافية، كما ارتبطت بشكل خاص بالثقافة الامازيغية التي وجدت في العمل الجمعوي والثقافي فضاء للتعبير والتطور.
وفي مرحلة الانطلاقة الثقافية الاولى، التي برزت بشكل واضح منذ اواخر سبعينيات القرن العشرين، ساهمت جمعية الانطلاقة الثقافية بالناظور في تحريك الساحة الثقافية المحلية، واهتمت بالابداع الامازيغي الريفي، كما ظهرت فرق مسرحية وموسيقية وفعاليات ادبية مختلفة.
ثم عرفت المنطقة خلال سنوات الثمانينيات فترة من الركود الثقافي، قبل ان تعود الحركة الثقافية الى النشاط في سنوات التسعينيات، مع ظهور جمعيات ومنابر جديدة، من بينها جمعية الماس الثقافية وفرع اتحاد كتاب المغرب، الذي ارتبط نشاطه في الناظور باسم الحسين القمري ومحمد اقضاض وعبدالله شريق.
ومع العقد الاول من الالفية الثالثة، بدأت مرحلة جديدة اتسمت بتوسيع البنية الثقافية من خلال المركبات والمؤسسات والملتقيات، قبل ان تشهد المنطقة خلال العقد الثاني زخما ملحوظا من المهرجانات والندوات والورشات والمعارض والتظاهرات الادبية والفنية، واصبح الناظور فضاء لعدد من التظاهرات الثقافية، وشهد حضورا لكتاب وشعراء ونقاد ومسرحيين وفنانين من داخل المنطقة وخارجها.
وفي خضم هذا المسار، كان عبدالله شريق من الباحثين الذين واكبوا الثقافة الامازيغية والادب الامازيغي في الريف في وقت مبكر، واهتم بتجاربها المعاصرة من خلال ابحاث ودراسات نشرت في مجلات وصحف وطنية، ومن خلال مؤلفاته.
وتتميز رؤيته النقدية بالجمع بين الاهتمام بالادب المغربي الامازيغي والعربي، مع الانفتاح على الانتاجات والكتابات المغربية بالفرنسية والاسبانية، انطلاقا من تصور يرى ان تقديم صورة شاملة عن الثقافة المغربية المعاصرة يقتضي مراعاة مختلف مكوناتها اللغوية والثقافية.
ومن الاعمال التي تعكس هذا الاهتمام كتاب “اشكاليات وتجليات ثقافية في الريف”، الذي انجزه بالاشتراك مع الراحل الحسين القمري ومحمد اقضاض، وصدر عن مطبعة امبريال بسلا سنة 1993. ويعد من المؤلفات المبكرة التي تضمنت ابحاثا ودراسات حول الثقافة الامازيغية واجناس الادب الامازيغي في الريف، ومنها الشعر والحكاية الشعبية والمسرح.
كما اهتم بالتجربة الشعرية الامازيغية المعاصرة في الريف، وتوقف عند خصائص الشعر التقليدي والتحولات التي عرفها الشعر الحديث على مستوى اللغة والبناء والرؤية، وواكب تجارب عدد من الشعراء الريفيين.
ومن الابحاث التي ارتبطت بهذا الاهتمام مقاله “الشعر الامازيغي في الريف ومقاومة الاستعمار الاسباني”، المنشور سنة 2005، والذي تناول فيه حضور المقاومة الريفية في الشعر الامازيغي، والاشكال الفنية والجمالية التي وظفها الشعراء للتعبير عن مقاومة الاحتلال الاسباني، ومن ذلك ما ارتبط بمعركة ادهار اوبران.
كما نشر سنة 2006 مقاله “الشعر الامازيغي في الريف بين الشفاهية والكتابة” في الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، ثم في مجلة “افاق”، العدد 72، في السنة نفسها.
والانتقال من الشفاهية الى الكتابة لم يكن بالنسبة لهذا الاهتمام مجرد تحول في وسيلة التعبير، بل ارتبط باسئلة اللغة والاسلوب والمتلقي ووظيفة الشعر، وبكيفية حفظ جانب من الذاكرة الثقافية الريفية من الضياع.
فالقصيدة الامازيغية الريفية ظلت زمنا طويلا مرتبطة بالذاكرة الشفوية، وكانت تنقل تجارب الناس ومواقفهم ونظرتهم الى الحياة والاحداث التي عاشوها. ومع انتقالها الى الكتابة، اصبحت موضوعا للدراسة والتوثيق والتحليل، وهو ما جعلها تدخل فضاء البحث الاكاديمي والنقد الادبي.
ومن هنا يمكن فهم جانب من خصوصية تجربة عبدالله شريق، فاهتمامه بالشعر لم يكن منفصلا عن السياق الذي نشا فيه النص، ولا عن الاسئلة الثقافية والاجتماعية التي يحملها.
ولم يقتصر نشاطه على الثقافة الامازيغية، بل تنوع انتاجه بين النقد الادبي والثقافة المغربية المعاصرة والشعر والرواية.
ومن مؤلفاته “في حداثة النص الشعري”، الصادر عن منشورات مؤسسة البوكيلي بالقنيطرة سنة 1995، و”في شعرية قصيدة النثر”، الصادر عن منشورات اتحاد كتاب المغرب بالرباط سنة 2003، و”تاريخ الادب الامازيغي: مدخل نظري”، وهو عمل مشترك مع مجموعة من الباحثين، صدر عن المعهد الملكي للثقافة الامازيغية بالرباط سنة 2005.
كما صدر له “اشكالية المنهج في النقد الادبي المعاصر” عن منشورات مؤسسة رؤية بالقاهرة سنة 2014، و”تحولات في النص والمنهج: قراءات في تجارب شعرية ونقدية معاصرة” عن منشورات اتحاد كتاب المغرب بالرباط في السنة نفسها، ثم “البنية والدلالة: قراءات في نصوص شعرية وسردية معاصرة” عن منشورات مؤسسة مقاربات بفاس سنة 2024، و”الحقل الثقافي المعاصر في المغرب” عن منشورات حلقة الفكر العربي بفاس سنة 2024، وهو كتاب يتضمن مباحث حول النزعات الثقافية المعاصرة في المغرب، وتحولات الحركة الثقافية الامازيغية، وقضايا التعليم والديمقراطية والثقافة والتنمية.
ويضاف الى ذلك عمل “Un été marocain à Monte Murlo”، الذي انجزه بالاشتراك مع الدكتور عبد الحكيم امعيوة والمصورة الاسبانية Puig Amparo، وصدر سنة 2005 مترجما الى الايطالية والاسبانية والبرتغالية، وتناول الاوضاع الاجتماعية والثقافية للمهاجرين المغاربة في ايطاليا، ضمن منشورات Sete Sois Sete Luas – FEDER-Pro.Interreg III B/Medocc.
كما شارك في اعمال جماعية، ونشر عشرات المقالات والدراسات في مجلات وصحف وطنية، وواصل حضوره في الندوات والملتقيات الادبية والثقافية. وفي كتاباته ومداخلاته، دافع عن قيم التعددية والديمقراطية والحداثة والحرية والعقلانية، واكد على اهمية العمل الثقافي والوعي النقدي والابداعي في تحقيق النهوض الثقافي والاجتماعي والحضاري.
اما معرفتي الشخصية به، فتعود ايضا الى سنوات جمعية الانطلاقة الثقافية، وقد كان آخر لقاء جمعنا في برنامج اذاعي مغربي عبر الاثير من تقديم مصطفى بوزياني، وكان موضوعه الراحل الحسين القمري، صديقه ورفيقي، وكان لا يزال على قيد الحياة حينها. واستحضرنا خلال اللقاء مساره وتجربته ومساهمته في الحياة الثقافية والسياسية بالمنطقة، بمشاركة ميمون الرحموني وفخر الدين العمراني.
كان ذلك اللقاء مناسبة لاستعادة جانب من مرحلة ثقافية عرفتها الناظور، والحديث عن الحسين القمري ومساره وعطائه، كما اعاد الى الذاكرة علاقات انسانية وثقافية جمعت بين عدد من ابناء المنطقة.
ومن خلال مسار عبدالله شريق، يتضح حضور مسارين متداخلين: مسار تربوي امتد لسنوات طويلة داخل مؤسسات التعليم، ومسار ثقافي واكبه بالبحث والكتابة والمشاركة في الحياة الثقافية المحلية والوطنية. وبين المسارين ظل اهتمامه بالادب والنقد والثقافة حاضرا.
ولهذا فان الحديث عنه بالنسبة لي لا يتعلق فقط بالمناصب التي شغلها او الكتب التي الفها، وانما ايضا بالشخص الذي عرفته في محيط ثقافي وتربوي، وبما تركه من انطباع لدى من عاصروه. فقد بقي في ذاكرتي انسانا هادئا، متواضعا، حسن المعاملة، ذا اخلاق رفيعة وروح انسانية واضحة.
والناظور وفرخانة، بالنسبة لي، ليستا مجرد مكانين في هذه السيرة، بل جزء من فضاء انساني وثقافي تشكل من خلال اجيال متعاقبة من المدرسين والمثقفين والكتاب والفنانين والفاعلين في مختلف المجالات. ومن واجبنا ان نعيد التعريف ببعض هؤلاء، خصوصا الذين اسهموا في التعليم والثقافة، وتركوا وراءهم كتبا وتجارب وشهادات يمكن ان تفيد الاجيال الجديدة.
وعبدالله شريق واحد من هذه الاسماء. بدأ من فرخانة، وتلقى تعليمه بالناظور وفاس، ثم اختار التعليم، وتولى مسؤوليات تربوية وادارية، وفي الوقت نفسه واصل طريقه في البحث والنقد والتاليف. واهتم بالادب العربي، ثم انفتح على الثقافة الامازيغية والادب الامازيغي الريفي، وشارك في الحياة الثقافية بالناظور، وكتب عن النص والشعر والمناهج والثقافة، وترك مؤلفات ودراسات تشهد على مسار بحثي امتد لعقود.
ومن خلال هذه التجربة، يظل اسمه مرتبطا بمرحلة مهمة من تاريخ الثقافة في الناظور والريف، وبجيل من المثقفين الذين ساهموا في تحريك الساحة الثقافية المحلية وفتحها على اسئلة الادب والهوية والحداثة والذاكرة.
واذا كانت هذه السلسلة تحاول استعادة بعض الشخصيات التي عرفناها، فان هذه الحلقة ليست سيرة شاملة للدكتور عبدالله شريق، بقدر ما هي محاولة لجمع بعض المعطيات عن مساره، واستحضار بعض ما عرفته عنه، وتسجيل شهادة وفاء لشخصية جمعت بين التربية والثقافة والبحث.
فبعض الشخصيات لا تختصرها المناصب ولا المؤلفات، وانما تكشفها ايضا طريقة حضورها بين الناس. وعبدالله شريق واحد من الاسماء التي ارتبطت في ذاكرتي بالناظور بالتربية والثقافة والبحث، وبمرحلة كان فيها الكتاب والندوة والجمعية والمجلة من الفضاءات الاساسية لصناعة النقاش الثقافي.
وهكذا تستمر “سلسلة شخصيات ناظورية تعرفت عليها”، في محاولة لحفظ بعض الوجوه والتجارب من ذاكرة الزمن، وترك مساحة للاجيال الجديدة كي تتعرف على رجال ونساء ساهموا، كل من موقعه، في كتابة فصول من تاريخ الناظور والريف.
عبدالله شريق واحد من ابناء فرخانة الذين اختاروا العلم طريقا، والتعليم رسالة، والثقافة مجالا للعمل والبحث، ولذلك كان من الطبيعي ان يكون اسمه ضمن هذه السلسلة.
حفظ الله استاذنا وصديقي.







