” ريف رس ” 14 شتنبر 2026
تستمر المشاهد المؤسفة التي تنقلها قاعات البرلمان حول العالم في ترسيخ انطباع قاتم لدى الشارع الرياضي والشعبي، حيث لم تعد اللقطات العنيفة مجرد حوادث فردية عابرة، بل أضحت مظهراً متكرراً يعكس أزمة عميقة في الممارسة السياسية. أحدث هذه المشاهد، التي تداولها رواد التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، تظهر اشتباكاً بالأيدي بين نواب تحت القبة البرلمانية، في لقطة اختزلت حالة التردي والغياب التام للحوار العقلاني.
ورافق انتشار هذه الصورة تعليق ساخر حاد تداوله المتابعون بكثرة، يصف السياسيين بأنهم “كالقرود في الغابة؛ إذا تشاجروا أفسدوا الزرع، وإذا تصالحوا أكلوا المحصول”. هذا التشبيه، رغم قسوته وطابعه التهكمي، يعكس حالة من الإحباط العميق واليأس الشديد لدى المواطن العادي، الذي بات يرى أن صراعات السياسيين تتسبب دائماً في تعطيل مصالح البلاد، بينما لا تؤدي توافقاتهم ومصالحاتهم إلا إلى اقتسام المكاسب ورعاية المصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة.
إن لجوء الممثلين المنتخَبين إلى العنف الفعلي والاشتباك بالأيدي يعبر عن إفلاس سياسي وفكري واضح. فالبرلمان، الذي وُجد أساساً ليكون المنبر الأول للتشريع ومناقشة القضايا المصيرية وتجاوز الخلافات عبر أدوات الحوار والديمقراطية، يتحول بهذه السلوكيات إلى حلبة لتصفية الحسابات الشخصية والحزبية. وهذا السلوك لا يفقد المؤسسة التشريعية هيبتها ورصانتها فحسب، بل يبعث أيضاً برسائل خطيرة إلى المجتمع تُشرعن العنف كأداة لفرض الرأي ورفض الآخر.
إن خطورة استمرار هذه الظاهرة لا تتوقف عند حدود المشهد الإعلامي أو الانتقادات الفورية، بل تتعدى ذلك إلى ضرب ثقة المواطن في العملية الديمقراطية برمّتها، مما يدفع فئات واسعة من الشعب—ولاسيما الشباب—إلى العزوف عن المشاركة السياسية وزيادة الفجوة بين الشارع والطبقة الحاكمة. وإذا لم تُفعل اللوائح الانضباطية وتفرض عقوبات صارمة على من يلجأ للعنف، فإن هذا الانهيار في السلوك السياسي سيبقى شاهداً على تحول الديمقراطية من أداة للبناء إلى وسيلة لإنتاج الأزمات وتعميق الفساد.






