الرئيسية / الناظور / حين يصبح المواطن غريب في مدينته.. الناظور بين أمنٍ لا يسمع وسلطةٍ لا ترى
الناظور

حين يصبح المواطن غريب في مدينته.. الناظور بين أمنٍ لا يسمع وسلطةٍ لا ترى

2026-09-15 16:43 4 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 15 شتنبر 2026

أحياناً يحس المواطن في الناظور أنه يحاول أن يبلّط البحر، وأنه يسبح ضد تيار أقوى منه، كلما حاول أن يفعل شيئاً بسيطاً من أجل مدينته أو أن يؤدي واجبه كمواطن يريد أن يرى محيطه أفضل وأكثر أمناً ونظافة واستقامة. والأسوأ من ذلك أن المواطن، وهو يحاول أن يكون جزءاً من الحل، يجد نفسه غارقاً في أسئلة لا تنتهي، هل أنا الذي أسبح ضد التيار، أم أن التيار نفسه هو الذي يسير في الاتجاه المعاكس؟.

حين يبلغ المواطن عن شخص مبحوث عنه، ويقدم معلومة يعتقد أنها يمكن أن تساعد في توقيفه، ثم لا يرى التفاعل الذي ينتظره، يبدأ الإحساس بالعجز في التسلل إليه. لماذا أبلغت؟ لماذا أتعب نفسي؟ ولماذا أحاول أن أساعد مؤسسات يفترض أنها موجودة أصلاً لحماية المجتمع؟ هل المطلوب من المواطن أن يرى الخطأ ويسكت، وأن يعرف ما قد يساعد على منع الجريمة ثم يحتفظ بالمعلومة لنفسه؟.

المشكلة ليست في واقعة واحدة، ولا في شخص واحد، ولا في إدارة واحدة. المشكلة في ذلك الشعور الثقيل الذي يتراكم لدى المواطن عندما يحاول أن يقوم بدوره، ثم يصطدم بجدار من اللامبالاة. فهو يريد أمناً يتفاعل مع المعلومة، وسلطة محلية ترى ما يحدث في الشارع، ومؤسسات تتحرك عندما تظهر مشكلة، لا مؤسسات تنتظر أن تصبح المشكلة كارثة حتى تبدأ في البحث عن الحل.

المواطن يريد أشياء تبدو بسيطة جداً، لكنها في الحقيقة أساس أي مدينة تحترم سكانها. يريد بيئة نظيفة، بلا نفايات متراكمة، وبلا انتشار للكلاب الضالة التي أصبحت مصدر خوف وإزعاج. يريد أحياء منظمة، وشوارع تحترم فيها قواعد العيش المشترك، ويريد أمناً يشعر معه أن الخارجين عن القانون ليسوا أقوى من القانون. يريد فقط أن يعيش حياته دون أن يضطر كل صباح إلى اكتشاف مشكلة جديدة.

لكن ماذا يجد؟ يجد أن بعض المشاكل تتكرر، وبعض السلوكيات المنحرفة تصبح عادية مع مرور الوقت، وبعض المواطنين أنفسهم يساهمون، للأسف، في إحراق ما تبقى من الأمل. يرمي أحدهم النفايات في الشارع، ويتجاوز آخر القانون، ويصمت ثالث عن سلوك مشبوه، ثم يأتي الجميع بعد ذلك ليشتكوا من مدينة لم تعد كما كانت.

وهكذا ندخل في دائرة عبثية ،مواطن يريد الإصلاح، ومؤسسات لا تتفاعل بالسرعة المطلوبة، ومواطنون آخرون يساهمون في تكريس الفوضى، ثم نتساءل جميعاً لماذا لا يتغير شيء.

الأكثر إيلاماً أن المواطن الذي يحاول أن يكون إيجابياً يبدأ في الشعور بأنه هو المخطئ. يصبح المواطن الذي يبلغ عن الخارجين عن القانون وكأنه يتدخل في ما لا يعنيه، والمواطن الذي يطالب بالنظافة وكأنه يطلب خدمة استثنائية، والمواطن الذي يحتج على الفوضى وكأنه يزعج المسؤولين، والمواطن الذي يريد الأمن وكأنه يطلب المستحيل.

وفي لحظة ما، يبدأ ذلك المواطن في طرح السؤال الأكثر مرارة،هل أنا المجنون لأنني ما زلت أعتقد أن الأمور يمكن أن تتحسن؟

هل أصبح من الغريب أن يريد الإنسان مدينة نظيفة؟ هل أصبح من الغريب أن يريد أبناءه أن يمشوا في الشارع بأمان؟ هل أصبح من الغريب أن يتصل المواطن بالجهات المختصة عندما يحصل على معلومة قد تساعد في توقيف شخص مبحوث عنه؟ هل أصبح من الغريب أن نريد من السلطات المحلية أن تتدخل عندما تتحول بعض الأحياء إلى فضاءات للفوضى؟

لا، ليس المواطن هو المجنون.

المجنون هو أن نطلب من المواطن أن يتحمل وحده ما يفترض أن تتحمله المؤسسات. المجنون هو أن نطالب الناس بالتعاون مع الأمن ثم لا نعطيهم الإحساس بأن تعاونهم له قيمة. المجنون هو أن نتحدث عن المواطنة في الخطب والمناسبات، ثم نجعل المواطن يشعر بأنه وحيد عندما يحاول ممارسة هذه المواطنة على أرض الواقع.

إن المواطن لا يريد أن يحل محل رجل الأمن، ولا يريد أن يحل محل السلطة المحلية، ولا يريد أن يصبح مفتشاً أو مراقباً أو شرطياً. هو يريد فقط أن يؤدي دوره، وأن يجد في الجهة المقابلة مؤسسات تؤدي دورها أيضاً.

فالمدينة لا تصلح بالصمت، ولا تبنى باللامبالاة، ولا يحميها المواطن وحده.

إذا كان الأمن يحتاج إلى تعاون المواطنين، فعليه أن يجعل المواطن يشعر بأن معلوماته وشهادته وشكايته تؤخذ بالجدية اللازمة. وإذا كانت السلطة المحلية مسؤولة عن تدبير المجال العام، فعليها أن ترى ما يراه المواطن وأن تتحرك قبل أن تتفاقم المشاكل. وإذا كان المواطن نفسه جزءاً من المجتمع، فعليه أيضاً أن يتوقف عن المساهمة في الفوضى التي يشتكي منها.

الناظور ليست بحاجة إلى المزيد من الكلام عن الإصلاح. تحتاج إلى أفعال صغيرة لكنها حقيقية ، معلومة أمنية يتم التعامل معها بجدية، شارع يتم تنظيفه، كلاب ضالة تتم معالجة وضعها، نفايات لا تترك في الشوارع، سلوك مخالف يتم التصدي له، وشكاية مواطن لا تختفي في المجهول.

أما أن يبقى المواطن يطرق أبواب المؤسسات ثم يعود إلى منزله حاملاً أسئلته، وأن تستمر المشاكل نفسها، وأن يصبح الصمت هو الحل الأسهل للجميع، فذلك يعني ببساطة أننا لا نطفئ الأمل فقط، بل نعلّم المواطن أن يتوقف عن المحاولة.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *