” ريف رس” 10 شتنبر 2026
في المشهد الإعلامي بمدينة الناظور، يبرز من حين لآخر نقاش حول بعض الاشخاص الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم «إعلاميين»، رغم أن مسارهم الدراسي أو تكوينهم المهني لا يعكس بالضرورة الحد الأدنى من المؤهلات التي تتطلبها مهنة الصحافة.
المشكلة ليست في قيمة الشهادة الدراسية وحدها، فالإعلام الحقيقي لا يُقاس بالديبلوم فقط، وإنما بما يمتلكه الصحفي من معرفة، وقدرة على البحث والتحقق، واحترام لأخلاقيات المهنة، وإتقان للغة، واستقلالية في نقل الخبر.
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول العلاقات الشخصية، والقرب من بعض المسؤولين أو المنتخبين، والحضور في المناسبات، إلى وسيلة لصناعة صفة إعلامية لا تستند إلى مستوى تعليمي أو تكوين مهني أو تجربة حقيقية.
فالإعلام ليس بطاقة تعريف ولا صورة في مناسبة، وليس شبكة علاقات تُستعمل للحصول على الامتيازات. الإعلام مسؤولية، والكلمة فيه قد ترفع من شأن شخص أو مؤسسة، وقد تسيء إليهما، ولذلك تحتاج إلى المهنية والضمير قبل أي شيء آخر.
كما أن الصحافة، في جوهرها، تقوم على الجرأة في تناول المواضيع التي تطرح نفسها، خصوصاً القضايا الحساسة التي تهم المجتمع، وعلى نقل الأخبار على اختلافها، والبحث والتحقيق، وتحليل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وطرح الأسئلة التي قد لا ترضي البعض. فالصحافة ليست مجالاً للتملق أو المجاملة، وليست وظيفة تقتضي تجنب موضوع معين لمجرد أنه يتعلق بجهة ما أو بأشخاص تجمعنا بهم علاقة جيدة. فالعلاقات الشخصية شيء، والواجب المهني شيء آخر، ومن غير المقبول أن تتحول الصداقة أو القرب أو المجاملات المتبادلة إلى سبب للصمت عن قضايا تفرض نفسها أو إلى مبرر لتجنب تناولها. فالصحفي الحقيقي لا يختار المواضيع وفقاً للأشخاص المعنيين بها، وإنما وفقاً لأهميتها وارتباطها بالمصلحة العامة.
ولا تعني الجرأة الصحفية التجريح أو تصفية الحسابات أو البحث عن الإثارة، كما أن الاستقلالية لا تعني مهاجمة الأشخاص لمجرد الاختلاف معهم، وإنما تعني امتلاك الشجاعة لطرح الأسئلة، ونقل الوقائع كما هي، والاستماع إلى مختلف الأطراف، واحترام حق الرد، والالتزام بالموضوعية والمهنية. فالصحافة التي تخشى من تناول موضوع لأنها قد تُغضب هذا الشخص أو ذاك، أو لأنها قد تؤثر على علاقة شخصية، تفقد جزءاً أساسياً من دورها ورسالتها.
والناظور، بما تعرفه من قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية مهمة، يحتاج إلى إعلام قوي ومستقل، قادر على مساءلة المسؤولين وكشف الاختلالات ونقل انشغالات المواطنين، وليس إلى منافسة حول من يملك علاقات أكثر أو من يستطيع تقديم نفسه بصورة أكبر من حجمه المهني.
وفي النهاية، الاعتراف الحقيقي بالإعلامي لا تمنحه العلاقات ولا الادعاءات، بل تمنحه الممارسة المهنية، والمصداقية، واحترام عقل القارئ والمشاهد.







