” ريف رس ” 10 شتنبر 2026
تتحول الحملات الانتخابية التشريعية في الناظور لدى البعض إلى موسم سريع لجمع المال، حيث ينهمك أنصار و«سماسرة» المرشحين في استقطاب الأصوات مقابل دريهمات معدودة، في مشهد يكرس شراء الذمم ويغيب النقاش الفكري والبرامج التنموية.
وبدل أن تكون الحملة الانتخابية مناسبة لعرض المشاريع والبرامج، ومناقشة قضايا الإقليم وانتظارات سكانه، تتحول لدى البعض إلى سوق انتخابية موسمية، يصبح فيها الصوت الانتخابي مجرد سلعة لها ثمن، ويصبح الناخب في نظر بعض الوسطاء رقماً قابلاً للشراء، بدل أن يكون مواطناً يملك قراراً يمكن أن يحدد مستقبل منطقة بأكملها.
إن أخطر ما في ظاهرة المال الانتخابي ليس فقط المبلغ الذي يُدفع للناخب، وإنما ما ينتج عنه بعد انتهاء يوم الاقتراع. فمن يشتري الصوت اليوم، قد يجد نفسه غداً مطالباً باسترجاع ما أنفقه، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ومن هنا تبدأ دوامة خطيرة يصبح فيها المنصب الانتخابي وسيلة لتحقيق المصالح بدل أن يكون مسؤولية لخدمة المواطنين.
فالمنتخب الذي يصل إلى موقع المسؤولية بواسطة المال، لا يبدأ مهمته وهو مدين للناخبين بقدر ما يكون مديناً لمن ساهم في تمويل حملته أو ساعده على جمع الأصوات. وعندما تتحول الانتخابات إلى استثمار مالي، تصبح خدمة المصلحة العامة مهددة أمام منطق استرجاع الاستثمار وتحقيق المكاسب.
والأخطر من ذلك أن هذا الأسلوب يبعد الكفاءات الحقيقية عن المنافسة، خصوصاً أولئك الذين لا يملكون المال ولا يرغبون في الدخول في سباق قائم على الولائم والمقابل المادي واستمالة الناخبين. وهكذا يجد المواطن نفسه أحياناً أمام خيارات محدودة، ليس لأن الإقليم يفتقر إلى الكفاءات، وإنما لأن قواعد اللعبة الانتخابية نفسها قد تدفع بالكفاءات إلى الانسحاب.
إن الانجرار وراء «المال السياسي» والربح اللحظي يحرم الإقليم من الكفاءات المستحقة، وينتج منتخبين بلا حس بالمسؤولية أو المحاسبة، مما يعمق أزمة البطالة وتدهور الخدمات العادية طيلة خمس سنوات. فالدريهمات التي قد يحصل عليها الناخب خلال أيام الحملة لا يمكن أن تعوضه عن سنوات من ضعف الخدمات، أو غياب فرص الشغل، أو تعثر المشاريع، أو استمرار المشاكل الاجتماعية والاقتصادية.
وهنا تبرز مسؤولية الناخب أيضاً. فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يقدم المال، وإنما بمن يقبل أن يبيع صوته ومستقبل مدينته مقابل منفعة مؤقتة. صحيح أن الظروف الاجتماعية الصعبة قد تجعل البعض أكثر قابلية للإغراء، لكن التجربة أثبتت أن المقابل الذي يحصل عليه الناخب لحظياً ينتهي في أيام، بينما تستمر نتائج اختياره لسنوات.
ومن حق المواطن أن يسأل المرشح، ماذا ستفعل من أجل البطالة؟ ما تصورك للتنمية؟ ماذا ستقدم للشباب؟ كيف ستتعامل مع مشاكل الصحة والتعليم والنقل والبنية التحتية؟ وما الذي ستدافع عنه داخل المؤسسة التشريعية؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في قلب أي حملة انتخابية، لا سؤال «كم سأحصل مقابل صوتي؟».
كما أن المرشح نفسه مطالب بأن يفهم أن الوصول إلى البرلمان ليس غاية في حد ذاته، وأن المقعد النيابي ليس امتيازاً شخصياً، وإنما مسؤولية وتمثيل لمواطنين وضعوا ثقتهم فيه. ومن غير المنطقي أن يبدأ السياسي مساره الانتخابي بإفساد العملية التي سيُطلب منه لاحقاً أن يمثل فيها المواطنين ويدافع عن مصالحهم.
إن الانتخابات ليست مناسبة لتوزيع الأموال والوعود العابرة، بل محطة لاختيار من يمتلك القدرة والكفاءة والنزاهة والرؤية. وإذا كان المال قادراً على شراء بعض الأصوات، فإنه لا يستطيع شراء التنمية ولا خلق فرص الشغل ولا إصلاح الخدمات ولا حل المشاكل البنيوية التي يعاني منها الإقليم.
إن إنقاذ مستقبل الناظور يبدأ بوعي الناخب وتفضيل مصلحة المدينة الدائمة على المكاسب الزهيدة العابرة. فالصوت الذي يُباع اليوم قد يتحول غداً إلى خمس سنوات من الندم، بينما الصوت الذي يُمنح عن قناعة ومسؤولية يمكن أن يكون بداية لمسار أفضل.
الناظور لا تحتاج إلى من يشتري أصوات أبنائها، بل إلى من يستحق أصواتهم. ولا تحتاج إلى منتخب يربح الانتخابات بالمال، بل إلى ممثل يربح ثقة المواطنين بالكفاءة والنزاهة والعمل.
وفي النهاية، يبقى القرار بيد الناخب. فصندوق الاقتراع لا يختار فقط أسماءً ستجلس تحت قبة البرلمان، وإنما قد يحدد، بشكل أو بآخر، شكل التنمية والخدمات والتمثيلية السياسية للإقليم لسنوات قادمة. ولذلك فإن حماية الصوت الانتخابي من البيع ليست مسؤولية قانونية وأخلاقية فحسب، بل هي أيضاً دفاع عن مستقبل الناظور.







