” ريف رس ” 27 ابريل 2025
محمد بوتخريط / هولندا
كلما مررت بالمحطة القديمة بالمدينة، تذكرت ما يكتبه اصدقائي عن “بوقاذيو ن عزي عبقاذار”، والرائحة المميزة للتون وللبيض فور إخراجه من الماء الساخن.
تلك الرائحة التي ما زالت تسكن عقول وأفئدة اصدقائي، ولم تبارحها رغم تقادم السنين وظهور روائح بديلة مصدرها أفران البيتزا ، والبانيني..والطاكوس و سندويشات الشاورما..
”رائحة سندويتش التون رائحة لا تقاوم، ” يقول اصدقائي ولا سيما في الساعات الأولى بعد الصباح … وبالمثل فإن روائح “البيض والزيتون” التي اعتاد عزي عبدالقادر إعدادها وبيعها جنبا إلى جنب مع التون صباحا ومساء كانت تمثل عامل جذب إضافي لهم للاصطفاف دون ضجر أمام الحانوت .
لكن ، الذي يحز في نفسي انني ورغم كون هذا المحل من اقدم وأشهر المحلات في مدينة الناظور لتحضير ساندويتش التونة، لم اتذوق كما اصدقائي هذا البوقاذيو بعد..رغم انني من “قدماء المحاربين ” في هذه المدينة، و قد يستغرب البعض من اصدقائي من هذا الكلام خصوصا اولائك الذين عشت معهم طفولتي في هذه المدينة…التي دخلتها بداية السبعينات ..
لكن وإن لم أاكل بوقاذيو ن عزي عبقاذار يوماً، الا انني ( والفضل هنا طبعا ، يعود لاصدقائي) أعرف تماماً ذلك الشعور الذي دفع اصدقائي لأن يصرخوا محتفلين بعد اول وجبة بوقاذيو …و بعد أول رشفة من صودا ستار..
لم أجربه بعد، لكنني أشمه في حكايات و روايات فاحت عبقريتها..
فما سر هذا التميز كله!؟
حفر هذا السندويتش وصاحبه مكانه في ذاكرتي عبر قصص الاصدقاء والزملاء الذين مروا من هناك على مدار السنوات الماضية.
و أشد ما انحفر في ذاكرتي كان ما حكاه لي صديق ذات مساء، حين دخل محل عزي عبدالقادر ليلا راغبا في “بوقاذيو ن واتون”.. كان الوقت متأخرا جدا، وكان عزي عبدالقادر على وشك اغلاق المحل..
طلب صديقي سندويتشات له ولاصدقائه، وبالتحديد خمسة سندويتشات، لكن عزي عبدالقادر أحضر فقط ثلاثة منها، وحين سألوه عن الباقي.
قال لهم ، كان هذا آخر ما كانت تحويه علبة التُّنّ!
قالوا له فلتفتح أخرى إذن!
رد عليهم قائلا: الوقت الان متأخر ، وإن فتحت علبة جديدة فستبقى الليل كله في الثلاجة ، وانا عودت زبائني على التُّنّ الطري..!
ورغم توسل الاصدقاء له، ظل متمسكاً برأيه.
وانا احكي هنا عن عزي عبدالقادر ، تذكرت حكاية أخرى حكاها لي صديق لي ذات دردشة عابرة..
حين تم إنشاء المحطة الطرقية الجديدة بالمدينة، تلك المحاذية للكورنيش ، والتي أغرت معظم تجار المدينة آنذاك ، سألوا عزي عبالقادر؛
-الا ترحل الى المحطة الجديدة كما فعل زملاؤك من التجار؟..
رد عليهم قائلاً:
- سأبقى هنا.. لن تغريني المحطة الجديدة، ولا محلاتها الواسعة، إذا كان الرزق مقدرا لي هنا ، فلن أسعى له في مكان آخر، و زبنائي سيأتون وهم واثقون من المستوى الذي أقدمه وأوفره لهم،..فما هو مكتوب علي سيأتيني لا محالة.. سواء هنا او هناك!
وفعلا رحل الجميع الى المحطة الجديدة..وبقي عزي عبدالقادر في مكانه ..لكنهم سرعان ما عادوا يجرون خيبتهم ويعضون أناملهم..
ووجدوا عزي عبدالقادر لا زال قابعا في محله و نفس الزبائن اوفياء كما كانوا ..بل و زادوا..عددا..!
هي حكاية عزي عبدالقادر ، عاشت الحكاية، في أذهان أهل الناظور زمناً، ولا زالت ، تتناقلها الألسن جيلاً بعد جيل، إفعل الشيء الصحيح فإن ذلك سوف يجعل البعض ممتناً بينما يندهش الباقون.
خلاصة الحكاية..وللعبرة:
نجاح عزي “عبقاذار” وبعده اولاده ليس مجرد صدفة..







