” ريف رس” 23 ابريل 2025
بقلم: جمال الغازي
في العمل السياسي والجمعوي، كثيرا ما نجد أنفسنا أمام واقع يشبه في تعقيداته وتشعباته تجربة ركوب الحافلة أو المصعد. هي استعارات بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات عميقة يمكن إسقاطها على طبيعة علاقاتنا داخل الفضاء العمومي المشترك.
ففي الحافلة، كما في المصعد، لا يجمع الركاب بالضرورة هدف موحَّد، ولا وجهة واحدة، لكن يجمعهم مسار مؤقت، يتيح لحظات من التلاقي والحوار وربما التفاهم. بعضهم يصعد معنا في بدايات الطريق، ثم يترجل عند محطات مختلفة، وفقًا لما تمليه عليه مصالحه وظروفه. والآخرون قد يرافقوننا إلى نقطة أبعد، لكن دون أن يعني ذلك وحدة المشروع أو تطابق الرؤى.
بهذا المعنى، فإن سياسة المحطات أو منطق المصعد يمكن أن تشكل إطارًا لفهم أعمق لعلاقاتنا داخل الحقل الجمعوي والسياسي. نحن لسنا مطالبين بتطابق تام في الأهداف أو الوسائل، لكننا مدعوون إلى بناء مساحات مشتركة نشتغل فيها معًا، ونصنع من خلالها انطلاقة إيجابية تصبّ في المصلحة العامة.
إن التقاءنا في محطة أو محطات لا يعني نهاية الاختلاف، بل بداية التفاهم على الحد الأدنى المشترك. والأهم من الاتفاق الكامل هو أن نتقاطع في لحظة وعي جماعي، تحفّزنا على المضي قدمًا في خدمة قضايانا الكبرى، وتحقيق الأهداف الوطنية والإنسانية التي توحدنا.
وفي ظل هذه الرؤية، يصبح التواصل الإيجابي، واحترام الآخر، والتعامل بروح جماعية، ضرورة لا ترفا. فالعنف الرمزي، والسلوك العدواني، والتصنيف الإقصائي، لا يؤدي إلا إلى الإضرار بالمصلحة العامة، وتفجير المركبة المشتركة التي نستقلها جميعا.
علينا أن نتحلى بالحكمة والمسؤولية، وأن نُدرك أن أي مشروع جماعي، سياسيا كان أو مدنيا، لا يمكن أن ينجح إلا بمنطق الشراكة، وروح الفريق، والقدرة على تحويل الاختلاف إلى طاقة اقتراح لا إلى نواة صراع.
ختاما، فلنجعل من محطات التلاقي لحظات قوة، ومن اختلافاتنا زادًا للحوار لا وقودا للفرقة.







