الرئيسية / مساحة حرة / بريد القراء.. الكتابة بين وجع المخاض ورسالة التنوير
مساحة حرة

بريد القراء.. الكتابة بين وجع المخاض ورسالة التنوير

2025-01-15 18:14 2 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 15 يناير 2025

بقلم: الأستاذ مولاي الحسن بنسيدي علي

في عالمٍ تتزاحم فيه الأصوات، وتتنافس فيه الآراء، تنبعث الكتابة كصرخة لا تهدف إلى الضجيج، بل إلى بث النور. إنها فعل يتجاوز الكلمات، يتعمق في جوهر الحياة، ويكشف المستور من الحقائق.

نكتب ليس للتباهي أو لنيل إعجاب الآخرين، بل لنحمل رسائلنا إلى منابر الفكر، ولنشعل شموع الوعي في دهاليز الجهل والصمت.

الكتابة مسؤولية، لا تنتهي عند حدود التعبير، بل تبدأ منه. هي التزام تجاه من يقرأنا، وتجاه من نكتب عنهم، حتى أولئك الذين لا يملكون أصواتًا تُسمع. حين نمسك القلم، لا نفعل ذلك ترفًا أو بحثًا عن مجاملات تعزز الغرور، بل نسعى لبناء جسور بين الفكرة والعقل، وبين الألم والأمل.

أحيانًا تكون الكتابة صرخة ألم نطلقها نيابة عن من أثقلهم القهر وعجزهم التعبير. في لحظات أخرى، تصبح بذرة أمل تُزرع في القلوب التي أرهقها اليأس. وأحيانًا ثالثة، تكون مرايا للحقيقة التي يحاول البعض طمسها، فنرفعها بلا خوف، مدركين أن الحقيقة، وإن أُخفيت اليوم، ستسطع غدًا.

لكن الكتابة ليست طريقًا سهلًا. إنها وجع يشبه مخاض الولادة؛ أفكار تتصارع في أعماقنا، ومشاعر تختلط بين الرغبة في البوح والخوف من سوء الفهم. نحن نكتب ونحن نحمل أعباء النقد، ونستقبل الانتقادات برحابة صدر، لأننا نؤمن أن الكلمة الصادقة تستحق التضحية، وأن الفكر لا ينمو إلا بالاختلاف والنقاش.

الكتابة ليست غاية، بل وسيلة للتغيير، ولإشراك العقول في حوار مفتوح. إنها دعوة للمثقفين والمبدعين ليكملوا مسيرتنا، ويصلحوا ما قد ينكسر في أفكارنا. ونحن، حين نكتب، نعلم أن رسائلنا قد لا تصل إلى الجميع، وأن هناك من سيقرأنا في صمت دون أن يعبر عن إعجابه أو تأثره، لكننا نواصل، لأن الكتابة شغف، والتنوير رسالة لا تعرف الاستسلام.


الكتابة هي فعل الحب، لمن نعرفهم ولمن لا نعرفهم. هي بناء جسر بين أرواح تائهة، ودعوة إلى عالمٍ أكثر عدلًا وصدقًا. وإن خذلتنا الكلمات أحيانًا، وإن أوجعتنا ردود الفعل، نبقى أوفياء لقلمنا، لأن الكتابة هي الحلم الذي نسعى لتحقيقه، والنور الذي ننير به العتمة.

هكذا نمضي، نحمل على أكتافنا وجع الكلمات، ونزرع في القلوب بذور الأمل، غير عابئين بالثناء أو المجاملة، مؤمنين أن رسالتنا، وإن تأخرت، ستصل يومًا لتترك أثرها حيث يجب أن تكون.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *