” ريف رس ” 5 يناير 2025
بقلم: مولاي الحسن بنسيدي علي
ما أشدَّ أن يصرخ الوجع في وجه أمةٍ صمَّت آذانها وأغمضت عينيها، وتركَت قلبها يخفق بخوفٍ لا بخجلٍ أو حياء! غزة، مهد النضال وعرين الأبطال، لا تزال ترزح تحت قصفٍ لا ينتهي، وشلالٍ من الدماء يروّي ترابها كل يوم. جدرانها شاهدة على الدمار، وسماءها تئنُّ من هدير الطائرات، بينما الأرض تغتسل بدماء الشيوخ والنساء والأطفال.
أين أنتم يا عرب؟
حينما اجتُثت نخلة العرب، وقُطعت جذورها، ورُمِيَت ثمارها تحت أقدام المستعمرين، ضاع معها شرف أمةٍ كانت يومًا ما تستظلُّ تحت نخوتها. أين الفارس الذي يُشهِر سيفه دفاعًا عن المظلوم؟ أين الجيوش التي صُرفت عليها أموال النفط وخيرات الأرض؟ أين الطائرات التي ملأت بها الميادين في استعراضاتٍ فارغة؟ لا صهيل ولا طلقة تُسمَع، فقط شعارات جوفاء تُرفَع، وبيانات خجولة تُلقى في قاعاتٍ مغلقة.
غزة وحدها تحت النار
شمال غزة يُحرَق، صواريخه تصرخ لكن بلا سند، جثث الأطفال تملأ الأزقة، والنساء يصرخن بحرقةٍ تكاد تخلع القلوب. أما المآذن والصوامع، فقد سقطت حجارتها وامتزجت بدماء المصلّين، وألقيت العمائم بعيدًا كأنما خُتمَ على الإسلام بالنسيان. كل هذا يجري أمام أعيننا، والأمة مشغولةٌ بالغناء والرقص، بالمهرجانات الماجنة والمسابقات السخيفة التي تملأ الشاشات.
التخاذل العربي… جريمة العصر
كيف نُحاسب عدوًّا يعرف عداءه، ونحن أول من طعَن القضية في ظهرها؟ ألسنا من حاصَر غزة بمفاوضاتٍ عبثية؟ ألسنا من صرَف ملياراتٍ على ترف الحكام ومواكبهم بينما يموت أطفال غزة جوعًا؟ أين تلك الجيوش الجرّارة التي أقسمت أن فلسطين قضيتها الأولى؟ أصبح العرب يتنازعون فيما بينهم، يتلاسنون بالبيانات، بينما الموت يسكن بيوت غزة، والجوع يحاصرهم، والحصار يخنقهم.
ضياع الشهامة وانهيار الرجولة
لقد ضاعت الشهامة بين أقدام التخاذل، وأُبيدت الرجولة في دهاليز السياسة. ما بقي سوى سراويل ممزقة تغطي عورات أمةٍ كانت مهد الرجولة. ألهَت الشعوب بالمباريات والبرامج السخيفة، وسُلِّطت عليها قوانين تُحكم قبضتها، فباتت الشعوب مكبّلةً لا تملك سوى البكاء والندب.
غزة لا تحتاج شعاراتكم
أيها السادة، غزة لا تحتاج شعاراتكم الجوفاء، ولا بياناتكم المعلّبة. غزة تحتاج وقفةً حقيقية، تحتاج طائراتٍ لا خطبًا، وجنودًا لا متفرجين. تحتاج أن تخرج الأمة من سباتها، وأن تضع يدها على الجرح النازف قبل أن تتحول إلى وصمة عار في جبين التاريخ.
أيها العرب، عودوا إلى جذور نخلكم، أحيوا نخوتكم، تذكّروا أن أمةً بلا كرامة هي أمةٌ بلا وجود. غزة ستبقى رغم كل شيء، لأنها تملك رجالًا يزرعون الأمل في قلب الموت، لكنكم ستبقون في ظلمات خذلانكم حتى تُشرق شمس الخلاص.







