“ريف رس” 30 دجنبر 2024
بقلم: الأستاذ مولاي الحسن بنسيدي علي
القانون ليس مجرد مجموعة قواعد جامدة، بل هو علم ينبض بالحياة، يتطلب فهما عميقا وتحليلا دقيقا وإدراكا واعيا. غايته السامية تتمثل في تحقيق العدالة، حماية الحقوق، وصيانة الكرامة الإنسانية.
وسأحاول في هذه السلسة سرد مجموعة من القواعد على موقع “ريف رس”.
في زمن ليس ببعيد، كانت الأحزاب السياسية في وطننا عنوانًا للنضال والتضحية، تقود قوافل الأمل وتؤطر الشباب من مختلف الأعمار والجنسين. كانت الأحزاب منابر للوطنية الخالصة، يتقاسم أمانتها رجال ونساء من صلب الحركة الوطنية، يمينيون ويساريون، كل منهم يحمل رؤية يدافع بها عن مصلحة الوطن والمواطن. في ذلك الزمن، كانت السياسة تُنسج بخيوط الإخلاص، وكانت القاعات تُضاء بنقاشات رصينة تُثري الحياة العامة، بينما كانت هيبة المسؤول تُقاس بمصداقيته ووقاره.
لكن دوام الحال من المحال. ففي ظل التحولات السريعة والتناقضات التي ضربت المشهد السياسي، تبدل الوجه المشرق للأحزاب. انقلبت الأدوار، وأصبحت المناصب غايةً لا وسيلة، وتحولت السياسة من ساحةٍ لخدمة الصالح العام إلى حلبةٍ يتسابق فيها المتنافسون لبلوغ كراسي المسؤولية، ليس من أجل التغيير، بل طمعًا في الحصانة البرلمانية والامتيازات الشخصية والتقاعد المريح.
أضحى الشغل الشاغل لبعض الأحزاب هو حصد المقاعد في الانتخابات الجماعية والمهنية والتمثيلية، وسط مشهد سياسي بات مبتذلًا. كثر القيل والقال، وطفحت المزايدات على الوطنية. أصبح متحزبون يتبادلون الاتهامات بالفساد، ويصف بعضهم بعض بالعفاريت والتماسيح. وبينما يتهم فريقٌ خصومه باستغلال الدين في السياسة، يصل الآخر إلى التخوين العلني وبالإحاد والعمالة ، في مشهد يثير الحيرة والاشمئزاز.
في خضم هذا العبث، تلاشت قضايا المواطن من جدول الأعمال. ضاعت حقوقه بين مطرقة الغلاء وسندان الفقر، وأُغلقت أبواب الفرص أمام الشباب، ليجدوا أنفسهم أسرى البطالة والتهميش. وبينما تُغلق أمامهم السبل، يبقى البحر هو الملاذ الأخير. يحملهم الحلم بوطن آخر إلى أمواج لا تعرف الرحمة، حيث يغدو كثيرون لقمة سائغة لأسماك القرش، وتدفن أحلامهم مع أجسادهم تحت المياه، في رحلة بحث عن كرامة ضائعة وحياة كريمة.
لقد أصبح المشهد السياسي اليوم علامة استفهام كبرى. هل ضاعت البوصلة إلى هذا الحد؟ هل أصبحت الوطنية مجرد شعار يُتاجر به؟ المواطن اليوم لم يعد يريد خطاباتٍ جوفاء ولا وعودًا كاذبة، بل يسعى إلى أفعال تُعيد له حقه في الحياة بكرامة. يريد تعليمًا يضمن مستقبل أبنائه، وصحةً تعيد إليه الأمل، وعدالة اجتماعية تُطفئ نار الفوارق الطبقية.
إن إصلاح السياسة يبدأ بإصلاح الأحزاب. إعادة الهيبة إلى الفعل السياسي لا يمكن أن تتحقق إلا بعودة الأحزاب إلى أدوارها الحقيقية: التأطير، التثقيف، والتوجيه. حينها فقط يمكن للوطن أن يستعيد عافيته، ويمكن للمواطن أن يثق من جديد في مؤسسات تُعبر عنه وتعمل لصالحه.
فهل يعود الوعي؟ أم أن السقوط سيستمر حتى لا يبقى شيء يُنقذ؟







