” ريف رس ” 17 دجنبر 2024
بقلم: الأستاذ مولاي الحسن بنسيدي علي
القانون ليس مجرد مجموعة قواعد جامدة، بل هو علم ينبض بالحياة، يتطلب فهما عميقا وتحليلا دقيقا وإدراكا واعيا. غايته السامية تتمثل في تحقيق العدالة، حماية الحقوق، وصيانة الكرامة الإنسانية.
وسأحاول في هذه السلسة سرد مجموعة من القواعد على موقع “ريف رس”.
يفني الموظف والعامل زهرة شبابه في خدمة الإدارة، ينكب على المكاتب ساعات طويلة، ينساب الدم متعبًا في عروقه، تتلاشى نضارة عينيه من التحديق في الملفات وشاشات الحواسيب، وتشيخ أحلامه بين أكوام الأوراق وأصوات الطابعات. أما العامل في الورشات، فيعيش حكاية أخرى من الشقاء؛ ينحني ظهره تحت وطأة العمل الشاق، يتشقق جلده من التعب، ويبيض شعره قبل أوانه. ومع كل يوم عمل، يتآكل من جسده وعمره ما لا يعوضه راتب ولا مكافأة.
وحين تنتهي صلاحية هؤلاء الجنود الصامتين، يُكتب قرار الإحالة إلى التقاعد؛ قرار بارد خالٍ من الاعتراف أو الامتنان، تُشطب فيه أسماؤهم من سجلات الوظيفة العمومية وكأنهم لم يكونوا يومًا. يقبع المتقاعد في بيته، حاملاً معه ذكريات التعب، بينما ينظر بحسرة إلى معاش هزيل يُثقل كاهله اقتطاع الضريبة على الدخل، تلك التي كانت ترافقه طيلة سنوات خدمته وكأنها قدر لا مفر منه.
ومع ارتفاع الأسعار والغلاء الذي لا يرحم، يجد المتقاعد نفسه في مواجهة واقع مرير: معاش ثابت لا يزيد، وحاجات تتضاعف. يطارد الكرامة بصمت، وهو الذي أعطى للإدارة والوطن كل ما يملك، ليُقابل بجحود لا يليق بتضحياته.
هذه هي القصة التي تتكرر في المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم، قصة رجال ونساء أفنوا أعمارهم ليجدوا أنفسهم في مواجهة النسيان. أليس من حقهم أن ينعموا بسنوات تقاعد تليق بتضحياتهم؟ أليس الوقت قد حان لإعادة النظر في معاشاتهم، لتكون كافية لحياة كريمة ترد لهم جزءًا مما قدموه؟
لقد آن الأوان لتقدير هؤلاء الجنود، ولإصلاح حقيقي يضع الإنسان أولاً، فلا تُختزل حياة المتقاعد في مجرد معاش هزيل، بل تُمنح له الكرامة التي يستحقها عن جدارة.







