” ريف رس ” 2 نوفمبر 2024
جمال الغازي/ ألمانيا
في سيرة النضال، لا يُنسى عمر الحسني، الذي كان وما زال رمزا للوفاء لمبادئه، وصوتا قويّا في ميدان العمل السياسي والنقابي في الناظور. إنه ليس مجرد شخصية عابرة في تاريخ المدينة، بل هو معلم وقائد ومثقف، وضع أسسا متينة لمنظومة القيم والنضال التي لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم.
منذ سبعينيات القرن الماضي، برز عمر الحسني كأستاذ لمادة الاجتماعيات. يقول أحمد حموشي، أحد تلاميذه: “الأستاذ الحسني أكسبنا الكفايات المعرفية والمنهجية التي سهلت علينا متابعة دراستنا العليا. تتلمذنا على يديه وتعلمنا منه قيم الالتزام والتضحية والنضال من أجل العدالة الاجتماعية”. لم يكن الحسني مجرد معلم، بل كان موجهاً ومثقفاً حقيقياً، يُلهم طلابه ويحفزهم على السعي لتحقيق أفضل ما لديهم.
ومن بين ثمار تعليمه، سار على دربه الكثيرون، ليصبحوا أساتذة في مادة الاجتماعيات والتاريخ والجغرافيا والفلسفة، حاملين معه رسالته في نشر العلم وتحقيق الوعي. كان الحسني بمثابة الأب الروحي لجيلٍ كامل من الشباب، حيث مدهم بالكفايات والمنهجيات التي مهدت لهم الطريق للتعمق في مجال الدراسات العليا، مما كان له الأثر العميق في مسارهم الأكاديمي والمهني.
لم تكن مهمة الحسني تتوقف عند التدريس، فقد كان مناضلا سياسيا من طراز فريد، حيث كان له دور كبير في تأسيس فرع حزب التقدم والاشتراكية بالناظور في فترة السبعينات، وهو ما يعتبره بومدين عبد الصادقي “لحظة تأسيس اليسار في الريف” إلى جانب رفاقه طحطاح والحسين الفهيمي. ويضيف بومدين عن الحسني: “السي عمر أطر أجيالا حزبية وسياسية، وتخرجت من مدرسته الحزبية أطر عديدة، قدم فاتورة مؤلمة عن عمله السياسي والنقابي باعتقاله وتعذيبه سنة 1981، لكنه واجه ذلك بصلابة وثبات على المبدأ التقدمي”. لم تكن معاناته من أجل المبادئ سهلة، فقد واجه الكثير من الصعاب، من الاعتقال إلى التعذيب، إلى حرمانه من راتبه لسنتين، ومع ذلك بقي ثابتًا على مواقفه، متمسكًا بنضاله من أجل العدالة والمساواة.
لم يكن النضال السياسي كافيا لإشباع روح الحسني النابضة بالعطاء، فقد أسهم في تأسيس جمعية الانطلاقة الثقافية في السبعينات، التي كانت منارة للثقافة والفنون في الناظور، ولعبت دورًا كبيرا في تنوير الشباب. يقول محمادي بوزيان عن تلك الحقبة: “كان الحسني مرجعية لنا، تعلمنا منه معنى السياسة الحقيقية، والالتزام في خدمة المستضعفين في كل أنحاء العالم”. لقد كانت جمعية الانطلاقة الثقافية بمثابة مساحة لتلاقح الأفكار وتبادل الرؤى، وقد قادت مهرجانات ناجحة، ساهمت في تعزيز الثقافة وجعلت الناظور محطة مهمة في المشهد الثقافي المغربي.
ولم يتوقف نضاله عند الشأن الثقافي والسياسي، فقد كان الحسني نشطا في ميدان العمل النقابي في إطار الاتحاد المغربي للشغل بالناظور، حيث كان دائم الحضور في تظاهرات فاتح ماي. يتذكره حموشي ويقول: “كان الحسني مدرسة للنضال في زمن الجمر، ورغم أن صناديق الاقتراع لم تنصفه، إلا أن تجمعاته الانتخابية كانت تحشد جماهير واسعة، وكان محنكا في صياغة خطب تعبّر عن طموحات ساكنة الناظور”. كان يساهم في صياغة الشعارات والمطالب العمالية بمهارة وحكمة، ملتزما بقضايا الشغيلة ومتحديا كل الصعاب في سبيل تحقيق أهدافه النقابية.
في أواخر الثمانينات، اضطر الحسني إلى الانتقال إلى العاصمة الرباط، ليواصل نضاله الوطني إلى جانب المرحوم التهامي الخياري. لكن روحه ظلت متعلقة بالناظور، حيث بقي مرجعا للجيل الجديد من الشباب السياسيين. يقول عنه بومدين: “السي عمر كان مدرسة لكل من تتلمذ على يديه، سواء في القسم أو في الساحة السياسية. كان وجها سياسيا وقامة متميزة، قدم الكثير وتحمّل أكثر، لكنه أبدا لم يساوم في مبادئه”.
ومع انتقاله إلى الرباط، ظل الحسني وفيا لروح الناظور، واصل الترافع عن قضايا المنطقة، مدركا أن مستقبل الناظور لا يمكن أن يقوم على التهريب أو الاقتصاد الهش، بل بحاجة إلى تنمية حقيقية ومستدامة، تعتمد على مواردها الطبيعية وبنيتها التحتية وتحويلات أبنائها المغتربين. وكما قال في إحدى تدخلاته في سينما الريف: “إن التهريب لن يستمر طويلا، ومن الضروري أن تتوجه الدولة نحو تنمية اقتصادية حقيقية”. كانت رؤيته للمستقبل تستند إلى حقائق وواقع مُعاش، فهو لم يكن يحلم أو يتخيل، بل كان يحلل ويقترح الحلول العملية التي تحتاجها المنطقة للنهوض بمستقبلها.
إن عمر الحسني لم يكن مجرد رجل عاش مرحلة تاريخية صعبة، بل كان رمزا للشجاعة والعطاء، مدرسة للتفاني والتضحية من أجل المبادئ. إنه رجل تعلّم على يديه الأجيال، رائد في النضال الوطني، ونموذج يحتذى به في النقاء السياسي والأخلاقي.
في خاتمة هذا السرد الذي لا يفيه حقه، لا يسعنا سوى أن نشكر هذا الرجل الذي قدّم الكثير للناظور وأهلها، رجل علّمنا كيف يكون النضال، وكيف تكون القيادة، وكيف نكون أوفياء لمبادئنا. شكرا لعمر الحسني، الذي ظلّ وسيظل نموذجا يُحتذى به لكل من يطمح إلى حياة كريمة ونضال عادل. إنه ليس مجرد اسم في تاريخ الناظور، بل هو منارة تهتدي بها أجيال المستقبل، تُعلمهم أن النضال الحقيقي هو الذي يترك أثرا في حياة الناس ويُضيء طريقهم.







