” ريف رس ” 13 أكتوبر 2024
جمال الغازي ـ المانيا
في رحلة العمر التي نسجنا خيوطها مع الخوف، نتوقف عند محطات مليئة بالعبر، ونتأمل كيف ترسخت تلك الثقافة المشوهة التي أحكمت قبضتها على أرواحنا. إنها ثقافة عنيفة، مُضللة، تربينا في ظلها، وتعمق تأثيرها فينا دون أن ندرك ذلك. لكن اليوم، حان وقت المكاشفة والمصارحة، وقت مراجعة الماضي لنكتشف ما كان يختبئ في ثنايا قلوبنا وعقولنا.
كم من مرة صمتنا حين كان يجب أن نتحدث، وكم من مرة رسمنا على وجوهنا ابتسامات زائفة بينما كان الألم يسكن أعماقنا. لكن العار ليس في الاعتراف بما يخيفنا، بل في الهروب منه. إن كشف هذه المخاوف هو الخطوة الأولى نحو التغيير، نحو بناء عقول جديدة تنير للأجيال القادمة طريق الأمل والثقة. نحن هنا نؤسس لأرض صلبة يمكن للمختصين في التربية والثقافة أن يبنوا عليها مستقبلا أكثر إشراقا.
أيها الأحبة، لست هنا في مقام العالم النفسي أو الاجتماعي، إنما أنطلق من تجربتي الشخصية التي لا تختلف كثيرا عن تجارب العديد من المغاربة. ترعرعت في بيئة غارقة في الخوف، في نظام تربوي يعتمد على التوجس، حيث الخوف يصبح لغة مشتركة بين الجميع، من الطفل في منزله إلى المواطن في مجتمعه.
لقد تغلغل الخوف في تربيتنا كالشجرة التي تتفرع أغصانها في كل اتجاه. زرعت فينا أمثالا وحكايات تروي قصص الخوف والرهبة، حتى أصبحنا نخاف من كل شيء، من ظلنا وحتى من الحيطان التي تحيط بنا. كان الخوف يقتات على أرواحنا، يمد جذوره في ثقتنا بأنفسنا وبالآخرين، حتى لم نعد نعرف كيف نعيش في طمأنينة أو نحيا دون شكوك.
كانت تربيتنا تُدار بالعصا، لا بالقيم الإنسانية النبيلة. كانت السيطرة تُفرض بالخوف، لا بالقانون أو الحب. هذا الخوف المفرط أثقل كاهلنا، وأبعدنا عن بعضنا البعض، فصرنا نعيش في عالم من التوجس والقلق، بين أفراد يخشون بعضهم وبين مواطنين ودولة مبنية على الحذر والخوف.
اليوم، يجب أن نقف أمام هذه الثقافة المهترئة ونتحداها. علينا أن نبني منظومة تربوية جديدة تقوم على الحب والتفاهم، على الاحترام المتبادل وقبول الآخر. فقط حين يشعر الإنسان بالأمان النفسي والحسي، يستطيع أن يتحرر من قيود الخوف وأن يعيش بسلام داخلي.
نحن بحاجة إلى إعادة النظر في ثقافتنا التي تجعل من الخوف أداة لكبح الفكر والإبداع. يجب أن نحرر عقولنا من هذا الخوف الذي يعطل قدرتنا على التغيير والتحدي، ويحول حياتنا إلى مساحات من الحذر والترقب.
أكتب هذه الكلمات وأملي أن تفتح نافذة جديدة للأمل، أن تكون دعوة لتعزيز الحب والثقة بالنفس، لننتصر على ذلك الخوف المفرط الذي سيطر على حياتنا. قد تكون الكلمات بسيطة، لكنها حلم بمستقبل أفضل، حيث لا مكان للخوف إلا كذكرى عابرة من الماضي.







