الرئيسية / مساحة حرة / ما تبقى من مهنة الصحافة؟..  
مساحة حرة

ما تبقى من مهنة الصحافة؟..  

2026-06-17 17:08 9 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 17 يونيو 2026

بقلم : د / مصطفى قشنيني

في البدء كانت الكلمة، ثم كانت الكلمة المسموحة، ثم كانت الكلمة الممنوعة، ثم كانت الكلمة التي لا تُقال لكنها مفهومة، ثم كانت الكلمة التي تُقال ثم تُنسى، ثم كانت الكلمة التي تُقال ويُعتقد أنها قيلت ولم تُقل، ثم وصلنا إلى مرحلة متقدمة جداً من التطور الإنساني حيث أصبحت الكلمة مجرد كلمة، أي أنها ليست سوى مجموعة من الحروف الهجائية المرصوصة دون معنى، أو بالأحرى معناها يتحدد وفقاً لمزاج القارئ، أو وفقاً لمزاج من يقرأ ما يقرأه القارئ، أو وفقاً لمزاج من يقرأ ما يقرأه من يقرأ ما يقرأه القارئ، وهكذا دواليك حتى نصل إلى سلسلة لا متناهية من التأويلات التي تجعل من المقال الواحد موسوعة متكاملة من المعاني المتضاربة.

هكذا أصبح الصحافي الحر، ذلك الكائن الذي كان يوماً ما يعتبر نفسه حارساً للحقيقة و ضميرا للمجتمع، مجرد مصدر إزعاج للسلطة، أي سلطة، بغض النظر عن لونها أو شكلها أو حجمها أو طريقة جلوسها على الكرسي. فالسلطة، أي سلطة، تشبه إلى حد كبير ذلك الجار الذي يحب الهدوء التام ويطلب من أبنائه أن يمشوا على أطراف أصابعهم كي لا يزعجوه، لكن الفرق أن الجار يمكنه تغيير مسكنه، أما السلطة فهي تعتبر البلد بأكمله مسكنها الخاص، ومن حقها أن تطلب من الجميع المشي على أطراف أصابعهم، بل ومن الأفضل أن يتوقفوا عن المشي نهائياً ويتحولوا إلى تماثيل صامتة تكتفي بالإيماء بالرأس تأكيداً على أن كل شيء على ما يرام.

وفي هذا السياق الجميل، تتحول المقالات الصحافية إلى حقول ألغام، وليس أي حقول ألغام، بل حقول ألغام ذكية جداً، حيث أن كل كلمة فيها قد تكون لغمًا ينفجر في وجه صاحبها في أي لحظة، أو قد لا تكون كذلك، أو قد تكون نصف لغم، أو لغم مؤجل، أو لغم مضاد للألغام، الأمر متروك لتقدير خبير المتفجرات السلطوي الذي يقرر إن كانت كلمة “ربما” تحمل تهديداً للأمن العام أم لا، وإن كانت كلمة “لكن” تشككاً في منجزات الدولة وتُسفّه مجهوداتها أم مجرد حرف عطف بريء، وإن كانت كلمة “لو” حلماً بالمستحيل أم إشارة إلى رغبة خفية في الثورة على الوضع العام.

لكن المشكلة الحقيقية ليست في المقالات نفسها، بل في سلطة تأويل هذه المقالات، وهذه السلطة ليست محصورة في جهة معينة، بل هي سلطة منتشرة في كل مكان، كالأوكسجين، أو كالغبار، أو كالأسئلة التي لا يريد أحد الإجابة عنها. فهناك تأويل شعبوي، وتأويل نخبوي، وتأويل رسمي، وتأويل غير رسمي، وتأويل نصف رسمي، وتأويل يقع في المنطقة الرمادية بين الرسمي وغير الرسمي، وتأويلات أخرى لا حصر لها، وكل هذه التأويلات تتفق على شيء واحد فقط، وهو أن الكاتب ربما كان يقصد شيئاً آخر غير الذي كتبه، أو أنه كتب ما كتبه لكنه لم يقصده، أو أنه قصده لكنه لا يتذكره، أو أنه يتذكره لكنه ينكره، أو أنه ينكره لكنه يعترف به في جلسات خاصة مع الأصدقاء المقربين، أو أنه لا يفعل أي من ذلك، لكن من الأفضل التحقيق معه للتأكد من صحة أو سوء نيته.

وطبعاً نحن هنا لا نتحدث عن حرية الرأي والتعبير التي تضمنها كل الدساتير المكتوبة والعرفية، بما في ذلك تلك الدساتير التي تنتجها جمهوريات الموز، وهي جمهوريات لا تقل دستورية عن غيرها، بل إن بعضها يتميز بدساتير مكتوبة على قشور الموز، مما يجعلها أكثر مرونة وقابلية للتعديل، فكلما انتهى موسم موز، بدأ دستور جديد، وهكذا تظل الأمور متجددة ومثيرة باستمرار. وهذه الدساتير جميعها، سواء كانت مكتوبة على ورق البردي أو على ورق الحائط أو على مناديل المطاعم أو المراحض، تتضمن بنوداً رائعة عن حرية التعبير، لكنها تتضمن أيضاً بنوداً أخرى رائعة لا تقل عنها روعة عن الحدود التي لا يجوز تجاوزها في ممارسة هذه الحرية، والحدود هنا تشبه حدود الدول، أي أنها مرسومة على الخرائط لكنها غير مرئية في الواقع، وهذا يجعل المغامرة فيها ممتعة للغاية، خاصة لمن يحبون رياضة تسلق الأسلاك الشائكة.

والآن، وبعد هذه المقدمة الطويلة التي كانت ضرورية كي نفهم بعضنا البعض، نصل إلى السؤال الجوهري: ماذا يريد الصحافي بالضبط؟ أو بالأحرى، ماذا تريد السلطة من الصحافي؟ الحقيقة أن السلطة تريد من الصحافي أن يعزف على إيقاعها، وأن يضرب الدف الذي يرضي مسامعها، وأن يغني لها أغاني المديح التي تبدأ بـ”يا عظيم” وتنتهي بـ”يا أعظم”، وأن يتجنب تماماً النغمات النشاز التي قد تسبب لها الصداع أو تذكرها بأغاني كانت شائعة في الماضي لكنها أصبحت الآن من الممنوعات. إنها تريده أن يكون جزءاً من الأوركسترا السلطوية، حيث كل آلة موسيقية تعزف النغمة نفسها، ولكن بدرجات صوت متفاوتة، فهناك من يعزف بصوت مرتفع ليسمعه الجميع، وهناك من يعزف بصوت منخفض كي لا يزعج أحداً، وهناك من يعزف بصمت تام لكنه يحرك أصابعه وكأنه يعزف، وهذا الأخير هو الأكثر أماناً على الإطلاق.

وفي المقابل، يريد الصحافي أن يكون حراً، أو على الأقل أن يشعر بأنه حر، وهو يعرف تماماً أن الحرية المطلقة غير موجودة حتى في الغابات والأدغال، فحتى الحيوانات هناك لديها قوانينها الخاصة، فالنمر لا يأكل النمر، والأسد لا يصطاد الأسد، وهكذا. لكن الصحافي يريد مساحة كافية للتحرك، مساحة تسمح له بأن يقول ما يراه صحيحاً دون أن يضطر إلى النظر من كتفه اليمنى ثم من كتفه اليسرى قبل كل جملة، مساحة تسمح له بالنقد البناء الذي يهدف إلى الإصلاح لا إلى الهدم، مساحة تسمح له بأن يكون مرآة للمجتمع، حتى لو كانت هذه المرآة محدبة قليلاً أو مقعرة قليلاً، لكنها تظل مرآة تعكس الصورة ولو بشكل مشوه.

لكن المشكلة أن النقد البناء، في نظر بعض السلطات، يتحول بسرعة البرق إلى تحريض، وكأن هناك خطاً رفيعاً جداً بين “أرى أن هناك مشكلة في نظام التعليم” وبين “اسقطوا نظام التعليم القائم”، وبين “أقترح تحسين الخدمات الصحية” وبين “اغلقوا المستشفيات”، وبين “أتمنى تعزيز دور القضاء” وبين “ألغوا كل القوانين”. وهذا الخط الرفيع، الذي لا يراه الصحافي عادة، يكون واضحاً كالشمس لمن يمتلكون النظارات السلطوية الخاصة التي تحول كل كلمة إلى تهديد، وكل جملة إلى مؤامرة، وكل فقرة إلى انقلاب.

ومن ناحية أخرى، حين يتحول كل شيء في البلد إلى بخير وجميل، وحين تصبح الشوارع نظيفة، والأسعار مستقرة، والجو معتدلاً، والناس سعيدة، والكل يبتسم، والأطفال يغنون، والطيور تحلق في سماء صافية، وحين يتحول النقد إلى تحريض، ودعم بناء المؤسسات إلى مس بهيبتها، هنا لا يسع الصحافي الحر إلا أن يقول: “سلاماً على الصحافة الحرة، لقد كان لقاءً جميلاً، ونأمل أن نلتقي مرة أخرى في زمن آخر، أو في بلد آخر، أو في حلم آخر.”

لكن الصحافي الحر، ذلك المخلوق العنيد الذي يصر على البقاء، لا يستسلم بسهولة، فهو يعرف أن حقل الألغام الذي يعيش فيه هو أيضاً حقل للفرص، فكل لغم يكتشفه يصبح قصة، وكل انفجار يتجنبه يصبح خبراً، وكل خطوة حذرة يخطوها تصبح عموداً صحافياً مميزاً. إنه يعرف أن الكلمات الممنوعة هي غالباً أكثر الكلمات إثارة للاهتمام، وأن الصمت المطبق غالباً ما يكون أعلى صوتاً من الصراخ، وأن ما لا يُقال قد يكون أكثر أهمية مما يُقال.

ولهذا، وبكل جرأة، أتقدم باقتراح متواضع قد يغير قواعد اللعبة تماماً، وقد ينقذ الصحافيين والسلطة على حد سواء من دوامة سوء الفهم والتأويلات المرهقة. إنني أقترح على الدول العربية، في عمومها، تلك الدول التي تخشى من الصحافة ومن الرأي الآخر الذي أصبح مجرد شعار للإستهلاك الإعلامي، أقول أقترح على هذه الأنظمة وضع قاموس خاص بممارسة مهنة الصحافة، يكون واضحاً ومباشراً وشاملاً، يتناول بالتفصيل كل الخطوط الحمراء التي لا يجب على الصحافي أن ينبس بها.

تخيلوا معي هذا القاموس الرائع، الذي قد نطلق عليه اسم “قاموس الصحافة الآمنة” أو “قاموس السلطة المطمئنة” أو “قاموس الكلمات المسموح بها”. في هذا القاموس، سنجد تعريفات دقيقة لمفاهيم كانت غامضة حتى الآن، مثل: يُمنع على الصحافي أن يُدين، ويُمنع أن يشجب، ويُمنع أن يتناول بعض القضايا المجتمعية التي قد تكون حساسة، ويُمنع أن ينتصر للمظلومين والمهمشين لأن ذلك قد يوحي بأن هناك مظلومين ومهمشين في البلاد، وهو أمر غير صحيح طبعاً، ويُمنع أن يستخدم كلمات مثل “فساد” أو “قمع” أو “تزوير” إلا في سياقات تاريخية بعيدة، ويُمنع أن يطرح أسئلة تنتهي بعلامة استفهام لأن الاستفهام يوحي بالشك، والشك ممنوع، ويُمنع أن يستخدم علامات التعجب لأنها توحي بالانفعال، والانفعال غير لائق، ويُمنع أن يستخدم أكثر من ثلاثة أقواس في الفقرة الواحدة، ويُمنع أن يكتب أكثر من مائتي كلمة في اليوم، ويُمنع أن ينام قبل أن يرسل مقاله للمراجعة الرقابية القَبْلية، ويُمنع أن يستيقظ قبل أن يتلقى رداً عليها.

هذا القاموس سيكون بمثابة الخريطة التي ترشد الصحافي في رحلته المحفوفة بالمخاطر، سيحدد له الطرق المسموح بها والطرق الممنوعة، وسيوفر عليه عناء التخمين والتفسير والتأويل، وسيوفر على السلطة عناء التحقيق والاستجواب والمطاردة، ستكون العلاقة واضحة، الصحافي يعرف ماذا يكتب والسلطة تعرف ماذا تتوقع، لن تكون هناك مفاجآت، لن تكون هناك صدمات، لن تكون هناك مقالات تتحول فجأة إلى “قنابل موقوتة”.

وفي هذا القاموس، سنجد بوضوح أن كلمة “نقد” تعني “مديح مؤجل”، وأن كلمة “تحسين” تعني “رضا تام”، وأن كلمة “مقترح” تعني “تنفيذ فوري”، وأن كلمة “استفسار” تعني “استسلام”، وأن كلمة “حرية” تعني “التزام”، وأن كلمة “تعبير” تعني “تكرار ما قيل”، وأن كلمة “رأي” تعني “غياب الرأي”. وهكذا نكون قد حللنا المعادلة الصعبة التي حيرت الفلاسفة والمفكرين لقرون، وأصبح الصحافي يعرف بالضبط حدود ممارسته، وتستطيع السلطة أن ترتاح وتستريح من عناء قراءة مقالات تحمل أكثر من معنى وتحتاج إلى خبراء في فك الشفرات لفهمها.

ونحن كصحافيين، سنحترم هذه الحدود، تماماً كما نحترم حدودنا الجغرافية وحدودنا الأخلاقية وحدودنا المالية وكل الحدود الأخرى، والسلطة بالمقابل ستحترمنا، ولن تزجّ بنا في دهاليز التحقيقات البوليسية لساعات وساعات، ولن تسألنا عن علاقاتنا بمنظمات مشبوهة، ولن تفتش في هواتفنا وحواسيبنا، ولن تراقب تحركاتنا، لأنها ستعرف أننا جميعاً نعزف على الإيقاع نفسه، وأن أوركسترا السلطة تسير بانتظام، وأن كل الآلات الموسيقية في تناغم تام، وأن النغمة الوحيدة المسموعة هي تلك النغمة التي تبدأ بمدح الزعيم وتنتهي بالدعاء له بطول العمر، مع بعض الإيقاعات الخفيفة التي تمدح الإنجازات وتشيد بالمستقبل المشرق.

وحتى لا يفهم أحد أن هذا المقال يتعلق ببلد عربي بعينه، أو بنظام سياسي أو سلطوي بعينه، أود أن أوضح أن هذا المقال هو مقال عالمي شامل، ينطبق على أي بقعة من الأرض حيث توجد سلطة وصحافة، أي حيث توجد كلمات وحروف وأسئلة وإجابات، أي حيث يوجد إنسان وفكر وحلم وخوف. إنه مقال عن الإنسان بصفة عامة، وعن حاجته الفطرية إلى التعبير، وعن خوف السلطة الفطري أيضاً من هذا التعبير، وعن التناقض الجميل الذي يجعل الحياة مثيرة، وعن الرقص على حبل رفيع بين ما يقال وما لا يقال، وما يفهم وما لا يفهم..ز

فالعبرة ليست في أن تكون صحفياً حراً أو صحفياً مُروّضاً، العبرة هي أن تكون صحفياً يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يصرخ ومتى يهمس، ومتى يكتب ومتى يمحو، ومتى ينشر ومتى يخفي. العبرة هي أن تكون صحفياً يفهم لعبة الألغام، ويعرف كيف يمشي بينها دون أن ينفجر، وكيف يلتقط صوراً لها دون أن يلمسها، وكيف يكتب عنها دون أن يذكرها.

العبرة، ببساطة، هي البقاء على قيد الكتابة مهما كانت الظروف والإكرهات والمتبّطات .. وكفى..

عن الزميلة : رسبريس

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *