” ريف رس ” 27 دجنبر 2024
بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
إهداء إلى أخي وأستاذي معالي الدكتور حسين الجموي
سوريا، تلك الأرض العريقة التي رسمت تاريخها بحروف من ذهب، تبقى دائمًا مركزًا للفكر والإبداع، مكانًا تتنفس فيه قوافي الشعر وتزهر فيها أشجار الأدب. كما قال عنها شاعرها الكبير نزار قباني:
“لا أستطيع أن أكتب عن دمشق، دون أن يعرش الياسمين على أصابعي. ولا أستطيع أن أنطق اسمها، دون أن يكتظ فمي بعصير المشمش والرمان، والتوت، والسفرجل.”
دمشق، عاصمة الحب والشعر، حيث تمتزج رائحة الياسمين بعبق التاريخ، تُطل من مآذنها روح العصور، ومن أسواقها حكايات لا تنتهي. وكما يقول نزار قباني:
“فرشت فوق ثراك الطاهر الهدبا
فيا دمشق… لماذا نبدأ العتبا؟
حبيبتي أنت… فاستلقي كأغنيةٍ
على ذراعي، ولا تستوضحي السببا.”
منذ العهود الأولى، كانت سوريا أرض الشعر والفنون، حيث بدأ الشعراء في مدح ملوكها وأرضها الطيبة، من أبرزهم المتنبي وأبو تمام. كما أضاء علماء سوريا سماء الفكر الإنساني، من أمثال أبو الفداء، وأبو القاسم الأنطاكي، ومحمد الماغوط الذي كان رائدًا في المسرح والكتابة الساخرة.
وسفيرة الادب العربي الدكتورة عائشة لونا عامر.
وإلى جانب الأدب والعلم، تأسر سوريا القلوب بمذاقاتها الأصيلة وأطباقها الشهية التي تعكس عبقرية المطبخ الشامي؛ الكبة السورية بأنواعها، سواء المشوية أو المقلية أو النيئة، والشاورما بمذاقها العريق، والتبولة الطازجة، والفتوش الذي يضفي نكهة الحموضة والطراوة. ولا يُنسى طبق الحراق أصبعه الذي يمثل التراث الدمشقي.
أما الحلويات الشامية، فهي أيقونة في عالم المذاق الحلو، من البقلاوة الشهيرة، والكنافة الذهبية، إلى المبرومة والناعم الذي يعكس بساطة الشارع الدمشقي، والمعروك المليء بعبق الزعتر والسكر في ليالي رمضان. وللقهوة السورية مكانة خاصة، بطعمها المعتق ونكهتها التي تتناغم مع نسائم الزعتر والقرفة.
وفي هذا السياق، لا يمكنني أن أغفل إسهامات أستاذي الجليل، الدكتور حسين الحموي، الذي أضاء لنا درب العلم في مجال القانون المدني، وجعل من موضوع الرهون العينية، الأصلي منها والمنقول، رحلة ممتعة ومفيدة، رغم صعوبتها، بأسلوبه الشيق وتواضعه الغزير.
وكرم أهل سوريا وشهامتهم يزينان كل زاوية من حياتهم، فهم يفتحون أبوابهم وقلوبهم بكل محبة، ويستقبلون الضيف بترحاب قلَّ نظيره.
لا تكتمل صورة سوريا إلا بجمال طبيعتها وأماكنها الساحرة، من الجامع الأموي بدمشق، حيث المآذن التي تروي قصص الإيمان، إلى جامع حلب الكبير وقلعة حلب المهيبة. ومن مدينة تدمر التي تشهد على عبقرية الإنسان، إلى سوق الحميدية العريق وجبل قاسيون الحارس الأمين لدمشق.
وككاتب مغربي، كان لي شرف المشاركة في المشهد الأدبي العربي من خلال روايتي “غادة العامرية”، التي لاقت كثيرًا من الحب والإعجاب، وأشعاري عن سوريا ‘أرض الجمال والجلال” التي نُشرت في العديد من الصحف والجرائد العربية.
سوريا هي الحضارة والإنسان، هي الأرض التي تحتفظ بذكريات العصور الماضية وتفتح أبواب المستقبل بكل أمل وطموح. هي بلاد لا تنحني إلا لتُزهر، كما فعلت عبر التاريخ وتفعل الٱن، وستبقى منارة للفكر والجمال. وأدعو الله تعالى أن يحفظها من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن وينعم عليها بالاستقرار والأمن.







