” ريف رس ” 6 نوفمبر 2026
لم تعد بعض المدن المغربية تخفي التفاوت الواضح بين واجهاتها التي تحظى بالتزيين والتأهيل، وبين عدد من أحيائها التي لا تزال تعاني الهشاشة وضعف البنيات التحتية ونقص المرافق الأساسية. فبينما تتجه الأنظار إلى الشوارع الرئيسية والساحات التي تستفيد من مشاريع التهيئة والتجميل، توجد أحياء أخرى تبدو وكأنها خارج خريطة الاهتمام، تنتظر نصيبها من التنمية والإنصاف.
في عدد من المدن، يجد الزائر نفسه أمام مشاهد متناقضة، شوارع واسعة ومنظمة، وساحات جرى تجديدها، وواجهات حضرية تمنح انطباعاً بمدينة تسير نحو التحديث، لكن بمجرد الابتعاد عن المراكز الرئيسية والتوغل في بعض الأحياء، تتغير الصورة بشكل لافت، حيث تظهر طرقات متدهورة، وأزقة تفتقر إلى التهيئة، وإنارة عمومية غير كافية، وغياب أو ضعف المساحات الخضراء والمرافق الاجتماعية والرياضية.
إن تجميل المدن وتأهيل مراكزها أمر مطلوب، ولا يمكن التقليل من أهميته في تحسين المشهد الحضري وتشجيع الاستثمار والسياحة، غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول بعض المشاريع إلى واجهات براقة، بينما تستمر معاناة أحياء سكنية من مشاكل يومية كان من المفترض أن تكون في صلب أولويات التدبير المحلي.
ليس من المعقول أن يظل سكان بعض الأحياء يطالبون بإصلاح الطرقات وتحسين الإنارة وتوفير قنوات الصرف الصحي وفضاءات الأطفال والشباب، في الوقت الذي تستفيد فيه مواقع أخرى من عمليات متكررة للتزيين وإعادة التهيئة.
وتبرز هنا مسؤولية المجالس الجماعية والسلطات المحلية والقطاعات الحكومية المعنية، كل حسب اختصاصه، في ضمان توزيع عادل للمشاريع والموارد، واعتماد مقاربة تنموية لا تقتصر على المواقع التي تحظى بالاهتمام الإعلامي أو تعرف حركة اقتصادية وسياحية أكبر.
كما أن الأمر يستدعي مساءلة الجهات المسؤولة عن ترتيب الأولويات، ومدى اعتمادها معايير واضحة في اختيار الأحياء المستفيدة من مشاريع التأهيل، ومدى إشراك السكان في تحديد حاجياتهم الحقيقية بدل الاكتفاء بقرارات لا تعكس دائماً واقعهم اليومي.
فالتنمية الحضرية ليست مجرد أرصفة جديدة وأعمدة إنارة وواجهات ملونة، بل هي أيضاً طرق صالحة، ومدارس قريبة، ومراكز صحية متاحة، ومساحات خضراء، ومرافق رياضية وثقافية، وشروط عيش تحفظ كرامة المواطنين أينما كانوا.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالأحياء الهامشية والتجمعات السكنية التي تعاني من تراكم الاختلالات، حيث لا ينبغي أن يصبح موقع الحي أو محدودية موارده سبباً في تأخر استفادته من الخدمات الأساسية.
إن العدالة المجالية لا تتحقق بالشعارات ولا بالصور التي تبرز جمال المراكز الحضرية، وإنما بمدى قدرة السياسات العمومية على تقليص الفوارق بين الأحياء، وضمان استفادة الجميع من ثمار التنمية.
وفي ظل هذا الواقع، تظل أسئلة كثيرة مطروحة: من يحدد أولويات تهيئة المدن؟ وما المعايير المعتمدة لتوزيع ميزانيات المشاريع؟ ومن يراقب مدى استفادة الأحياء المهمشة من برامج التنمية؟ وهل تتحمل المجالس المنتخبة مسؤوليتها كاملة في الدفاع عن حاجيات جميع السكان دون تمييز؟.







