الرئيسية / وطنية / المال العام ليس غنيمة.. أين ربط المسؤولية بالمحاسبة؟
وطنية

المال العام ليس غنيمة.. أين ربط المسؤولية بالمحاسبة؟

2026-11-07 17:46 3 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس “7 نوفمبر 2026

ليس المال العام غنيمة توزع، ولا امتيازاً يستفيد منه من وصل إلى موقع المسؤولية، ولا ملكاً خاصاً لمن أوكلت إليه مهمة تدبيره. إنه أمانة في أعناق المسؤولين، وحق مشترك للمواطنين، ونتاج لجهد المجتمع وتضحياته. لذلك، فإن كل مساس به أو تبديد له أو سوء تدبيره لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد اختلال إداري عابر، بل باعتباره مساساً بحقوق المواطنين وبالثقة المفترضة بين الدولة والمجتمع.

في المغرب، يشكل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أحد المرتكزات الأساسية لدولة المؤسسات، وقد نص عليه دستور 2011 بشكل صريح. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى أي حد تحول هذا المبدأ الدستوري إلى ممارسة ملموسة يشعر المواطن بآثارها في تدبير الشأن العام؟

إن الإشكال لا يكمن فقط في وجود اختلالات في تدبير بعض المرافق والصفقات والمشاريع العمومية، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة تحديد المسؤوليات، والكشف عن مكامن الخلل، ومساءلة كل من ثبت تورطه في تجاوز القانون أو الإضرار بالمصلحة العامة. فليس من المقبول أن تتكرر الاختلالات نفسها، وأن تتعثر المشاريع، وأن تهدر الموارد، بينما تظل المسؤوليات غامضة أو تتوزع بين الإدارات والجهات المتدخلة دون أن تصل المحاسبة إلى نتائج واضحة.

تشكل تقارير مؤسسات الرقابة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، آلية أساسية لكشف الاختلالات وتقييم أداء المؤسسات العمومية. لكن أهمية هذه التقارير لا ينبغي أن تتوقف عند تسجيل الملاحظات والتوصيات، بل يجب أن تمتد إلى تفعيل المساطر القانونية وترتيب الآثار اللازمة، كلما ثبتت مسؤولية تستوجب المحاسبة.

فالمحاسبة ليست انتقاماً، وليست تصفية حسابات سياسية أو إدارية، وإنما هي تطبيق للقانون على الجميع دون استثناء أو انتقائية. كما أن المسؤولية لا ينبغي أن تتحول إلى منصب يوفر الحماية أو يمنح صاحبه حصانة غير قانونية، بل يجب أن تكون تكليفاً يقتضي النزاهة والشفافية والالتزام بخدمة الصالح العام.

ومن جهة أخرى، فإن حماية المال العام لا تتحقق بالمراقبة اللاحقة وحدها، بل تتطلب الوقاية من الفساد، وتعزيز الشفافية في الصفقات العمومية، وربط التمويل العمومي بالنتائج، وإتاحة المعلومات للمواطنين، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية والإعلام والمجتمع المدني.

إن المواطن الذي يؤدي الضرائب وينتظر مدرسة جيدة ومستشفى لائقاً وطريقاً آمناً وخدمات إدارية محترمة، من حقه أن يعرف أين تُصرف أمواله، ومن المسؤول عن تعثر المشاريع، ولماذا لا تتحقق الوعود المعلنة. فالثقة في المؤسسات لا تُبنى بالخطب والشعارات، وإنما بالنتائج والوضوح والإنصاف.

لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة تدبير المسؤوليات إلى ثقافة تحمل تبعاتها، ومن الاكتفاء بتشخيص الاختلالات إلى معالجتها، ومن التساهل مع هدر الموارد إلى ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من المساءلة.

فالمال العام ليس غنيمة، والمسؤولية ليست وجاهة، والمنصب العمومي ليس امتيازاً شخصياً. ومن يتولى تدبير شؤون المواطنين وأموالهم يجب أن يكون مستعداً لتقديم الحساب أمام القانون والرأي العام.

إن ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مطلباً شعبوياً ولا شعاراً ظرفياً، بل شرط أساسي لبناء دولة الحق والقانون، وصيانة كرامة المواطن، وتحقيق التنمية والعدالة. والسؤال الذي سيظل مطروحاً بإلحاح: متى تصبح المحاسبة ممارسة مؤسساتية منتظمة، لا مجرد وعد دستوري ينتظر المواطن أن يرى أثره على أرض الواقع؟.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *