الرئيسية / فن و ثقافة / إسناده في الذاكرة التاريخية للريف: شواهد من الماضي وأسئلة التوثيق
فن و ثقافة

إسناده في الذاكرة التاريخية للريف: شواهد من الماضي وأسئلة التوثيق

2026-10-29 17:17 6 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 29 أكتوبر 2026

إعداد : جمال الغازي

تحتفظ منطقة الريف المغربي بذاكرة تاريخية غنية، تتجلى في آثارها العمرانية ومواقعها القديمة ومسالكها التجارية، وفي ما بقي من شواهد ووثائق تعكس جوانب من تاريخ السكان وتحولات المجتمع عبر الزمن. ولا تقتصر أهمية هذه الذاكرة على الحصون والمواقع الأثرية المعروفة، بل تشمل أيضا معالم أخرى لم تنل حظها الكافي من البحث والتوثيق، رغم ما قد تحمله من قيمة تاريخية ومعرفية.

ومن بين هذه المواقع، تبرز المقبرة اليهودية التاريخية في سنادة، بإقليم الحسيمة، باعتبارها موضوعا يستحق العودة إلى المصادر الأصلية ودراسته بعيدا عن الأحكام المسبقة. فقد ورد ذكرها في كتابات تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، كما ظهرت إشارات إليها في وثائق ومواد توثيقية أحدث. وتتيح هذه الشواهد فتح نافذة على جانب من تاريخ المنطقة، وتطرح أسئلة حول المواقع التاريخية التي ما تزال بحاجة إلى مزيد من التعريف والتوثيق.

ينطلق هذا البحث من مبدأ واضح: مهمتنا هي البحث عن المعلومة وجمع الشواهد والتحقق منها، وليس إطلاق الأحكام أو إصدار استنتاجات تتجاوز ما تسمح به المصادر. فالغاية ليست إثارة الجدل، بل الإسهام في توثيق تاريخ المنطقة، والتمييز بين الوقائع المثبتة والروايات التي ما تزال بحاجة إلى التحقق.

من أبرز المراجع التاريخية التي تناولت المقبرة كتاب الباحث الفرنسي أوغست مولييراس Le Maroc inconnu: Exploration du Rif، الصادر سنة 1895. ففي الصفحة 89 من الكتاب، يذكر مولييراس وجود مقبرة يهودية في سنادة، ويصف مساحة واسعة كانت توجد فيها شواهد قبور، يقول إنها نقلت من تطوان وكانت تحمل نقوشا بالعبرية.

ويشير الكاتب أيضا إلى أن يهود منطقة قلعية كانوا يأتون لدفن موتاهم في هذه المقبرة، رغم المسافة التي تفصلهم عنها. وتفتح هذه الإشارة مجالا للبحث في طبيعة العلاقة بين التجمعات اليهودية في أجزاء مختلفة من شمال المغرب، وفي طرق نقل الموتى، وفي الدور الذي ربما أدته سنادة بالنسبة إلى جماعات يهودية خارج محيطها المباشر.

ومع أهمية هذه الشهادة، فإن التعامل معها يقتضي التمييز بين ما أورده المؤلف وما يمكن تأكيده من مصادر مستقلة. فالمعلومات الواردة في كتب الرحلات والجغرافيا القديمة قد تستند أحيانا إلى المعاينة المباشرة، وأحيانا أخرى إلى إفادات محلية أو روايات منقولة. ولهذا تظل المقارنة بين المصادر خطوة ضرورية لفهم طبيعة كل معلومة ومدى قوتها التاريخية.

ولا يقتصر ذكر المقبرة على كتاب مولييراس وحده، إذ تظهر إشارات أخرى إلى وجود مقبرة يهودية في سنادة ضمن كتابات عن المغرب، ومنها كتاب Voyages au Maroc (1899–1901). وتساعد هذه الإشارات على تتبع حضور الموقع في الكتابات التاريخية خلال فترة متقاربة. غير أن تعدد الإشارات لا يعني بالضرورة أن جميعها مستقلة بعضها عن بعض، كما لا يعني أن كل كاتب عاين المقبرة بنفسه؛ لذلك تبقى العودة إلى النصوص الأصلية ومقارنة سياقاتها أمرا أساسيا.

وتقدم الخرائط التاريخية وسيلة أخرى لفهم موقع سنادة ضمن المجال الجغرافي للريف، وربط أسماء الأماكن القديمة بالتسميات المستخدمة اليوم. وفي هذا السياق، يبرز أطلس منتزه الحسيمة الوطني، الذي يتضمن خريطة للسياحة الثقافية تشير إلى المقبرة اليهودية ضمن المواقع التاريخية في المنطقة.

وتكمن أهمية هذه الخريطة في أنها تنقل الإشارة إلى المقبرة من النصوص الوصفية إلى التمثيل الجغرافي. ومع ذلك، فإن العلامة الخرائطية تظل مؤشرا عاما، ولا يمكن اعتبارها وحدها تحديدا دقيقا لحدود المقبرة أو لموضع القبور. كما أن إدراج موقع في خريطة ثقافية لا يثبت بمفرده حالته الراهنة أو مستوى المحافظة عليه؛ فهذه المسائل تحتاج إلى توثيق ميداني وصور حديثة وبيانات جغرافية قابلة للتحقق.

ومن الشواهد التي تستحق الاهتمام أيضا تقرير رحلة ميدانية نظمتها جمعية طبيعة وتراث بالتعاون مع جمعية التضامن والمحافظة على البيئة في سنادة يومي 21 و22 مايو 2011. ويذكر التقرير زيارة قصبة سنادة ومحيطها، ثم الوصول إلى المقبرة اليهودية القديمة في نهاية الجولة.

وتمنح هذه الوثيقة البحث قيمة إضافية، لأنها تشير إلى أن المقبرة كانت معروفة ضمن المسارات الميدانية والتراثية في تلك الفترة، وأنها كانت تعرف بوصفها موقعا تاريخيا في محيط سنادة. غير أن التقرير لا يقدم إحداثيات دقيقة للمقبرة، ولا جردا مفصلا لشواهد القبور، ولا وصفا كافيا لحالتها المادية. كما أن الصور المنشورة لا تسمح وحدها بإثبات عدد القبور الباقية أو تحديد الحدود الدقيقة للموقع.

وعند الجمع بين النصوص التاريخية والخريطة والتقرير الميداني، تتضح أهمية سنادة بوصفها موقعا جديرا بمزيد من البحث. فالمصادر المتاحة تشير إلى وجود المقبرة في أواخر القرن التاسع عشر، ثم إلى استمرار التعرف عليها باعتبارها موقعا تاريخيا خلال العقود اللاحقة، وصولا إلى توثيق زيارة ميدانية سنة 2011.

كما تفتح رواية نقل شواهد القبور من تطوان أسئلة تتعلق بشبكات التواصل بين الجماعات اليهودية في شمال المغرب، وبعادات الدفن، وبمدى ارتباط المقابر بالمجالات القبلية والطرق القديمة. غير أن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى مصادر إضافية، مثل النقوش الجنائزية والسجلات المحلية والوثائق الإدارية والشهادات الشفوية التي يمكن التحقق من مصدرها ومقارنتها بأدلة أخرى.

ومن النقاط التي تستحق الدراسة ما أورده مولييراس بشأن اعتبار مقبرة سنادة المقبرة اليهودية الوحيدة في الريف في زمنه. وينبغي التعامل مع هذه العبارة باعتبارها شهادة مرتبطة بسياقها التاريخي، لا حكما نهائيا على جميع مناطق الريف ومختلف فتراته. فالمصادر التي أمكن الاطلاع عليها لا تكفي لإثبات عدم وجود مقابر أخرى في أماكن لم تشملها معلومات الكاتب، كما لا تكفي، في المقابل، للجزم بأن مقابر أخرى كانت موجودة ثم اختفت.

إن غياب موقع عن الفهارس الحديثة لا يثبت أنه لم يوجد، مثلما أن تكرار رواية عن مقبرة مفقودة لا يجعلها حقيقة مؤكدة من دون دليل مستقل. لذلك فإن أي بحث جاد في هذا الموضوع ينبغي أن يسعى إلى تحديد أسماء المواقع، والعودة إلى الخرائط والوثائق، والبحث عن النقوش والصور القديمة، والاستماع إلى الروايات المحلية مع توثيق مصادرها.

وتكتسب دراسة المقابر التاريخية أهميتها من قدرتها على الكشف عن جوانب من تاريخ العائلات والاستقرار والهجرة والعلاقات الاجتماعية. فالنقوش الجنائزية، حين تتوفر وتكون قابلة للقراءة، يمكن أن تساعد في التعرف على أسماء الأشخاص وتواريخ الوفاة والروابط العائلية. كما أن مقارنة هذه المعلومات بالوثائق التاريخية قد تسهم في بناء صورة أكثر دقة عن تاريخ المجتمعات المحلية.

وفي حالة سنادة، يمكن أن تبدأ خطوات التوثيق بتحديد الموقع على خريطة حديثة، والتقاط صور واضحة ومؤرخة، ووصف الشواهد الموجودة إن وجدت، وتسجيل النقوش دون تغييرها، ثم مقارنة النتائج بالمراجع التاريخية. ويمكن أيضا الاستفادة من شهادات سكان المنطقة، مع التمييز بين ما عاينه أصحاب الشهادات بأنفسهم وما تناقلوه عن غيرهم.

ولا يقتصر هذا العمل على مقبرة سنادة وحدها، بل يمكن أن يكون مدخلا لبحث أوسع في المواقع التاريخية المرتبطة بالجماعات اليهودية في الريف، مع ضرورة إثبات كل موقع على حدة. فالمطلوب ليس إعداد قائمة بمقابر غير مؤكدة، بل بناء ملف بحثي يعتمد على الوثائق والأدلة القابلة للفحص والمراجعة.

إن البحث في هذا الموضوع ليس محاولة لإصدار الأحكام أو إثارة النقاشات، بل مساهمة في توثيق تاريخ المنطقة وفهم ماضيها على أساس علمي. فمهمة الباحث هي طرح الأسئلة الصحيحة، وجمع الشواهد، والتحقق من المعلومات، والاعتراف بحدود ما هو معروف، وترك المسائل غير المحسومة مفتوحة أمام البحث المستقبلي.

وهكذا تبقى سنادة نقطة انطلاق لدراسة أوسع في الجغرافيا التاريخية للريف، وفي سبل توثيق معالمه القديمة وحفظ المعلومات المرتبطة بها. فالتاريخ لا يكتمل بالانطباعات وحدها، بل بالوثائق والشواهد والمقارنة والنقد، وبالاستعداد لتصحيح المعلومات كلما ظهرت أدلة جديدة.

وفي الختام، أؤكد أنني أبحث بدافع حبي لتاريخ منطقتي، دون انحياز أو أحكام مسبقة، وأسعى إلى التنقيب في صفحات تاريخ الريف بحلوها ومرها، وتوثيق ما طالَه النسيان، اعتمادا على الوثائق والشواهد والمصادر المتاحة.

مهمتي هي البحث والتوثيق، لا إصدار الأحكام أو الانحياز لأي طرف. لذلك أرجو أن يُفهم قصدي كما هو: أنا عاشق للمعلومة، وهدفي أن أساهم في حفظ ذاكرة المنطقة وتاريخها للأجيال القادمة . فرجاء، افهموا.


مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *