الرئيسية / الناظور / عجاف الناظور.. حين كان الناس يخرجون إلى الشارع و يرفعون أكفهم طلباً للغيث.. اليوم يبتلع الجفاف الأرض ويغيب الدعاء الجماعي
الناظور

عجاف الناظور.. حين كان الناس يخرجون إلى الشارع و يرفعون أكفهم طلباً للغيث.. اليوم يبتلع الجفاف الأرض ويغيب الدعاء الجماعي

2026-10-26 18:10 3 دقائق قراءة 0 تعليقات

”  ريف رس ” 26 اكتوبر 2026

كاميليا ـ ه

في ذاكرة مدينة الناظور، كما في ذاكرة عدد من المناطق التابعة لمنطقة الريف، تختزن الذاكرة الجماعية عادات وتقاليد شعبية ارتبطت بالحياة اليومية للناس، وبعلاقتهم بالأرض والمطر ومواسم الخير. ومن بين هذه العادات طقس شعبي كان يلجأ إليه السكان كلما طال انتظار الغيث وتأخرت الأمطار، في مشهد جماعي تختلط فيه البراءة بالإيمان، والتقاليد بالتضرع إلى الله طلباً للرحمة.

ففي الماضي، حين كان المطر يتأخر عن موعده، كان الأطفال والفتيان والفتيات، وأحياناً النساء، يسارعون إلى الخروج إلى شوارع مدينة الناظور، يجوبون الأزقة والأحياء في مسيرة شعبية، وهم يحملون عموداً من الخيزران، يُلبسونه ثياباً نسائية تقليدية، ويضعون عليه ما يشبه هيئة امرأة.

كانت تلك المسيرات تعبيراً عن تعلق الناس بالغيث، واستحضاراً لحاجتهم إلى المطر الذي تقوم عليه الزراعة وتستمر به الحياة. وكان المشاركون يرفعون أكفهم بالدعاء، ويرددون عبارات التضرع إلى الله، راجين أن تنزل الأمطار وتعود الأرض إلى اخضرارها، وأن تشمل الرحمة الإنسان والحيوان والنبات.

ولم يكن الأمر، في الذاكرة الشعبية، مجرد عادة متوارثة أو مشهد من مشاهد الفرجة الجماعية، بل كان يعكس أيضاً طبيعة المجتمع في زمن كانت فيه الحياة أكثر ارتباطاً بالأرض وتقلبات الطقس، وكانت الجماعة تجد في الاجتماع والتضرع وسيلة للتعبير عن الأمل في تجاوز المحن. وكان الناس يتشبثون برجاء الاستجابة، فإذا نزل المطر بعد فترة من الجفاف، استقبلوه بفرح كبير، ورأوا فيه بشارة خير وانفراجاً بعد طول انتظار.

أما اليوم، وقد عرفت المنطقة كما في باقي مناطق المغرب سنوات متعاقبة من قلة التساقطات والجفاف، وأصبحت آثار ندرة المياه حاضرة في حياة الناس والأنشطة الفلاحية، فإن استحضار هذه العادة يثير سؤالاً عن التحولات التي عرفها المجتمع، وعن مصير كثير من طقوسه الشعبية التي كانت تشكل جزءاً من ذاكرته وهويته المحلية.

فهل اختفت هذه الطقوس المجتمعية لأن أنماط الحياة تغيرت، وتراجعت التقاليد الجماعية القديمة أمام إيقاع الحياة الحديثة؟ أم لأن الأجيال الجديدة لم تعد تعرف الكثير عن الموروث الشعبي الذي تناقلته الأمهات والجدات والآباء؟ أم أن الأمر يرتبط بتحولات أعمق مست علاقة الإنسان بالطبيعة وبأشكال التعبير الجماعي عن الخوف والأمل والرجاء؟

ومهما يكن من أمر، فإن استحضار هذه الذاكرة لا يعني بالضرورة الدعوة إلى إحياء كل الطقوس الشعبية بصيغتها القديمة، بقدر ما يتيح فرصة لتوثيق جانب من التراث المحلي لمدينة الناظور والريف عامة، قبل أن تطويه الأيام وينقطع ما تبقى من خيوطه بين الأجيال.

وفي الذاكرة الدينية للمجتمع المغربي، يظل الدعاء والاستغفار وصلاة الاستسقاء من صور التضرع إلى الله طلباً للغيث والرحمة. وقد استحضر القرآن الكريم قصة قوم موسى عليه السلام حين اشتكوا العطش وطلبوا السقيا، فقال تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾، وهي آية تذكر بأهمية الماء في حياة الإنسان، وبحضور الدعاء في الوجدان الديني للمؤمنين.

ومع ذلك، فإن نزول المطر يظل مرتبطاً بمشيئة الله وبسنن الطبيعة، ولا يمكن الجزم بأن هطوله بعد دعاء أو طقس معين كان نتيجة مباشرة له. لكن ما يبقى من تلك العادات هو ما تحمله من دلالات اجتماعية وثقافية، ومن صور التضامن الجماعي والتعلق بالأمل في أوقات الشدة.

إن سنوات الجفاف التي يعيشها المغرب اليوم تجعل استعادة مثل هذه الحكايات المحلية أكثر من مجرد حنين إلى الماضي؛ إنها مناسبة للتأمل في علاقة الإنسان بالماء، وفي قيمة الذاكرة الشعبية، وفي ضرورة الحفاظ على الموروث الثقافي للريف وتوثيقه للأجيال المقبلة.

فهل يتذكر أبناء الناظور اليوم طقس ” عمود الخيزران ” وهل ما زال كبار السن يحتفظون بتفاصيله وأهازيجه وطريقة إقامته؟ أم أن هذه العادة أصبحت مجرد حكاية من حكايات زمن مضى، لا يعرفها إلا من عاشوا تفاصيلها؟

أسئلة تظل مفتوحة أمام ذاكرة المدينة وأبنائها، لعل روايات كبار السن وشهاداتهم تعيد رسم ملامح هذا الطقس الشعبي، وتكشف المزيد عن تاريخ علاقة اابناء الريف بالمطر والأرض والإيمان.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *