” ريف رس ” 24 غشت 2026
محمد المحفوظي
عاد عبد الإله بنكيران مجددا لإعتلاء المنصات، وهذه المرة من جماعة بوعرك بإقليم الناظور، وسط حشود أثبتت أن الذاكرة السياسية لبعض الفئات قد تكون قصيرة جدا. احتفي بالرجل، وصفق له الحاضرون وهو يوزع خطاباته الحماسية المعتادة، ملوحا بالورقة التي أتقن الاستثمار فيها طوال مسيرته: دغدغة العواطف الرومانسية، وإقحام الخطاب الديني، واستدعاء القضية الفلسطينية، وصولا إلى غمزه ولمزه المتكرر تجاه مستشار جلالة الملك أندريه أزولاي في محاولة مكشوفة لاستثارة الحساسيات وركوب موجة الشعوذه السياسية.
ولكن، كيف لرجل كبل المغاربة بأقسى القرارات الاجتماعية والاقتصادية في تاريخ الحكومة الحديث أن يعود اليوم في ثوب “المنقذ”؟
ذاكرة مثقوبة وأزمات نسيت
يبدو أن الكثيرين تناسوا بسرعة كيف أجهزت فترة رئاسته للحكومة على مكتسبات الطبقة الوسطى والفقيرة؛ بدءا من رفع الدعم عن المحروقات الذي يكتوي الجميع بناره اليوم، مرورا بالتعديلات المجحفة في نظام التقاعد، وصولا إلى فرض نظام التعاقد والاقتطاع المباشر من أجور المضربين. قرارات أخرجت المغاربة يوما عن صمتهم، ليأتي اليوم ويقدّم نفسه كبديل سياسي ينادي بالنزاهة و”المعقول”.
تناقض مع الدبلوماسية الوطنية
يتساءل المتابع للمشهد السياسي بكثير من الاستغراب: هل يملك بنكيران اليوم مؤهلات رجل الدولة الذي يستوعب التحديات الاستراتيجية للمملكة؟ في الوقت الذي تخوض فيه الدبلوماسية المغربية بقيادة ناصر بوريطة معارك شرسة وجريئة على الساحة الدولية لتثبيت موقع المغرب و صحرائه ورفع شأنه بين القوى العظمى بأسلوب صارم وعملي، يصر بنكيران على ممارسة المراهقة السياسية وإطلاق تصريحات متشنجة تضرب بعرض الحائط خيارات الدولة الاستراتيجية وتماسكها الميداني.
الريف واستضافة الوجوه القديمة
إن استضافة منطقة الريف لبنكيران والاستماع لشعاراته يطرح علامات استفهام كبرى حول قدرة بعض الوجوه السياسية على التكسب بآلام الجهات وتهميشها السابق. فالريف، الذي طالما عانى من تبعات القرارات الحكومية الارتجالية، يجد نفسه اليوم أمام محاولة جديدة لإعادة إنتاج نفس السيناريو: خطابات رنانة تنتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
إن لعبة “استقطاب العقول” والاستثمار في العواطف والدين لم تعد تنخدع بها الشعوب الواعية. وبينما يحتاج المغرب إلى رجال دولة يعملون في الصمت ويبنون لمستقبل الأجيال، يبقى السؤال المطروح على ساحة الناظور والمغرب ككل: هل سينطلي هذا الخداع السياسي مجددا، أم أن الذاكرة الجماعية ستستفيق لتضع كل سياسي في حجمه الحقيقي؟.







