” ريف رس”14 غشت 2026
يبدو أن بعض الأحزاب السياسية المغربية عثرت أخيراً على الحل السحري لمشاكل البلاد، تسهيل الزواج للشباب، وإرجاع عقارب الساعة إلى توقيت غرينتش. وهكذا، بدل البحث عن وصفة معقدة لمحاربة البطالة وغلاء السكن وارتفاع تكاليف المعيشة، يكفي أن نضبط الساعة ونفتح دفتر الوعود الانتخابية.
الشاب المغربي الذي أنهكته أسعار الكراء، وارتفاع تكاليف الحياة، وصعوبة العثور على عمل مستقر، سيجد نفسه أمام برنامج سياسي يعده بتسهيل الزواج. خطوة جميلة على الورق، لكنها تبدو أشبه بمن يطلب من شخص لا يملك ثمن كراء غرفة أن يبدأ التفكير في تجهيز بيت الزوجية.
الزواج أصبح اليوم مشروعاً مكلفاً، لا بسبب تكاليف العرس وحدها، وإنما بسبب السكن والعمل والاستقرار والمصاريف اليومية. ولذلك فإن الحديث عن تشجيع الزواج دون معالجة هذه الملفات يشبه تقديم مظلة لشخص يعيش في قاع البحر.
أما توقيت غرينتش، فقد وجد طريقه بدوره إلى النقاش السياسي، وكأن عقارب الساعة كانت هي العائق الأكبر أمام تحسين القدرة الشرائية وإيجاد فرص الشغل.
قد يستيقظ المواطن ذات صباح ليكتشف أن الساعة عادت إلى توقيت غرينتش، فيشعر للحظات بأن المغرب تغير فعلاً. ثم يفتح الثلاجة، فيجد الأسعار كما هي، ويفتح حسابه البنكي، فيجد الرصيد كما هو، وينظر إلى أسعار السكن، فيكتشف أن عقارب الساعة وحدها هي التي تحركت.
الأحزاب تعرف جيداً أن الشباب يشكلون قوة انتخابية مهمة، ولذلك يصبح ملف الزواج مغرياً في موسم الانتخابات. وبدل أن يكون النقاش حول إصلاحات اقتصادية عميقة تضمن للشاب دخلاً مستقراً وسكناً لائقاً ومستقبلاً واضحاً، تتحول البرامج أحياناً إلى قائمة من الوعود الجميلة التي تصلح جيداً للملصقات والخطب والتجمعات الانتخابية.
أما المواطن، فقد تعود على سماع الوعود، وعلى انتظار تحقيقها، وعلى اكتشاف أن بعض البرامج الانتخابية تصبح أكثر تواضعاً بكثير بعد الوصول إلى الكراسي.
ربما تكون العودة إلى توقيت غرينتش خطوة مفيدة لبعض المواطنين، وربما يكون دعم الزواج مطلباً اجتماعياً مشروعاً، لكن المشكلة الحقيقية ليست في عقارب الساعة ولا في مراسم الزواج.
المشكلة في شاب يريد العمل ولا يجد فرصة، وفي شاب آخر يريد السكن ولا يستطيع تحمل ثمنه، وفي آخر يريد تأسيس أسرة لكنه يخشى أن يتحول الزواج إلى بداية لأزمة مالية طويلة.
لهذا، فإن دعم الزواج الحقيقي يبدأ من دعم الاستقرار الاقتصادي، وليس من الوعود وحدها.
أما الساعة، فلتعد إلى غرينتش إذا كان ذلك يخدم المواطن.
لكن الأفضل ألا تعود الوعود الانتخابية مرة أخرى إلى النقطة نفسها بعد كل انتخابات.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى ساعة سياسية جديدة، بل إلى زمن جديد تتحول فيه البرامج إلى واقع، والوعود إلى قرارات، والشعارات إلى نتائج.
وفي انتظار ذلك، ستظل عقارب الساعة تتحرك… بينما أحلام الشباب تنتظر دورها.






