” ريف رس” 25 مارس 2026
بقلم: جمال الغازي/ ألمانيا
لا تزال نبضات قلبي تتسارع كلما ارتدّت بي الذاكرة إلى تلك الأيام الخوالي في مدينة الناظور. هناك، حيث كان الزمن يمشي بتؤدة، كنا نحن الأطفال ننتظر “ظاهرة” فريدة بلهفة لا تدانيها لغة؛ ننتظر تلك الشاشة السحرية التي تأتي إلينا لتعرض أفلاما بالمجان في فضاءات المدينة الرحبة.
أتذكر جيدا تلك السيارة التي كانت تقطع الفيافي قادمة من “الداخلية” كلمة كانت سائدة تعني (داخل المغرب) لتصل إلينا في الناظور. لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل كانت “سينما متنقلة” ترعاها شركات وطنية كبرى في إطار حملات دعائية ذكية. كانت البداية تبدأ بضجيج محبب؛ مكبر صوت يجوب الشوارع ليعلن عن “زيت لوسيور.. زيت المربع الأحمر” … اولماس …الخ. وبمجرد أن يتردد هذا النداء في أزقة شارع الجامعة العربية، كان الفرح ينفجر في قلوبنا، فننطلق في مسيرات عفوية، نقفز ونردد بلسان أمازيغي فخور: “سيني نرحيض.. سيني نرحيض!”.
كانت الوجهة المفضلة هي مدخل المدرسة الإسبانية (لوبي ذيبيكا) ابن خلدون حاليا. هناك، أمام جدارها الأبيض الشاهق وتارة امام مكان تواجد مركب التجاري حاليا، كانت تنصب الآلات البسيطة. ومع اقتراب الليل وتواري الشمس، كنا نفترش الأرض الترابية في صفوف منتظمة بانتظار العرض الموعود.
لا زلت أذكر الأغاني والأهازيج المغربية التي كانت تمهد للعرض قبل أن يبدأ فيلم الهندي او الامريكي. في تلك اللحظات، وفي ظل ندرة أجهزة التلفاز بالبيوت، كانت عيوننا الشاخصة تكتشف لأول مرة سحر الصورة المتحركة والقصة التي تروى بالضوء والكلمة، كانت وجوه الممثلين تبدو لنا عملاقة كأنها أساطير خرجت من الحائط لتشاركنا ليلتنا.
وفي مشهد آخر ، وتحديدا أمام الحائط المحاذي لـ مسجد الحاج ارمصطفى، عشنا تجربة طريفة مع جيلنا لا تُنسى. قبل بدء الفيلم، عُرض إشهار لمشروب “والماس” بأسلوب “شابليني” يعتمد على السرعة والخفة المذهلة.
“خُيل إلينا حينها بحس الطفولة البريء أن من يشرب ‘والماس’ سيتحول فورا إلى عداء خارق وقوي. ).
ولا تكتمل لوحة “سينما الحائط” دون استحضار بصمة الفن المحلي التي جسدها حسن السياحي واخوته، صاحب “استوديو السياحي” المصور المعروف حينها. فقد كان يخرج بآلة عرضه (البروجكتور) ليحول الحائط المقابل لمحله إلى شاشة عرض خاصة، مقربا الفن السابع من جيرانه وأبناء حيه بأسلوب يفيض بالألفة والمودة.
كانت “سينما الحائط” تظاهرة ثقافية راقية، أحيت الصلة بين الجمهور والفن في الهواء الطلق، وجعلت من جدران الناظور الصامتة حكواتيا يروي قصصا مغربية وعالمية. لقد اختفت تلك السيارة، وتغيرت معالم الشوارع، لكن صدى صرختنا في شارع الجامعة العربية “سيني نرحيض” سيبقى وشما في ذاكرتنا، يذكرنا بزمن كانت فيه البساطة هي قمة الرقي.







