” ريف رس” 9 فبراير 2026
يقلم: محمد بوتخريط / هولندا
– هل أصبح الوصول إلى الهدف خارج دائرة الزمن حتى يتم تغيير اسماء شوارع الناظور.؟
قراءة هادئة في الجدل الدائر حول إعادة تسمية بعض شوارع المدينة…تاويمة والريف الكبير..
في الفترات التي تشهد فيها الساحة الناظورية تحرّكًا ما ، غالبًا ما يرافق هذا التحرك قدر من الجدل. وهو أمر ليس جديدًا في التجربة الناظورية، إذ كل انتقال من منطق التسيير الروتيني او لِنقل العشوائي إلى منطق القرار والمتابعة يفتح بطبيعته باب النقاش، وأحيانًا الموافقة وبالاجماع وأحيانًا الاعتراض، وأحيانًا أخرى سوء الفهم.
ما يلفت الانتباه، في المقابل،هذه المرة ، أن النقاش لم يتمحور حول شبهات فساد أو تجاوزات قانونية، بل حول الأسلوب، وطريقة إدارة الملفات.. وهو معطى مهم، لأنه ينقل الجدل من مستوى الأخلاق والنزاهة إلى مستوى الخيارات والمناهج والاولويات ، وهو نقاش صحي متى أُدير بعقلانية وهدوء.
خلال الايام الأخيرة، طُرح تغيير اسماء بعض الشورع في المدينة بكثافة في الفضاء العام، لا فقط بسبب التسميات او الاسماء في حد ذاتها ، من شارع الى “محج” والعكس ، بل كذلك بسبب حضور هذا القرار في هذه الفترة واعتباره كإنجاز و كمستجد في الوقت الذي فيه ملفات ظلّت لسنوات طويلة على الرفوف او تُدار بصمت أو تُؤجَّل .
فهل أصبح الوصول إلى الهدف خارج دائرة الزمن حتى يتم تغيير اسماء هذه الشوارع .. ؟
وإن كان لابد من التغيير في الشوارع فلنغير وضعها وواقعها، بدل اسمائها.. ولنا في شارع محمد الخامس ما يكفي من الامثلة ، يتمتع هذا الشارع بتاريخ مجيد ولا يوجد سبب يمنع أن يكون حاضره مجيدًا بنفس القدر. و لا أفهم حقًا كيف يمكن لهذه المدينة أن تتحمل أن يكون أحد شوارعها الرئيسيين غير نظيف، وبعض احيائها غير مضاءة في الليل، وعنيفًة لدرجة أنه من المخيف التجول فيها أحيانًا..
ثم ان مصطلح “المحج” في حد ذاته لم يعد يتماشى مع ما تعرفه المدن من تطورات وتغييرات كما ان “محج” يُعرف بجمال الفضاءات ، فضاءات مفتوحة، تجمع الترفيه والخصوصية والجمالية وتوازن بين الحداثة والهوية …وهو ما لا يتوفر لا في شارع تاويمة ولا في شارع 80، المكان الوحيد في المدينة الذي ربما يتوفر على بعضا من هذه المقومات هو كورنيش الناظور.. فلنسميه إذن ” محجاً “..وكفى !
حين أسير في أزقة الناظور أحس كما لو أنني أفتش عن ذاكرتها، أرفع عيناي نحو لوحات اسماء غريبة لشوارع المدينة بهت لونها على واجهات الجدران …مدينة تشبه دفتراً قديماً نسيه الزمن في درج مكسور..
فهل أصبح الوصول إلى الهدف خارج دائرة الزمن حتى يتم تغيير اسماء هذه الشوارع .. ؟
الاسم يعتبر هوية يعرف بها هذا الحي أو ذلك الشارع ويثبت كل ذلك من خلال خرائط تفصيلية تمكن الساكن و الزائر و السائح من الوصول إلى بغيته بكل يسر وسهولة وبدون أية مشقة تذكر.
يُحبذ أن تبقى أسماء الشوارع ثابتة ولا يُزال اسم قديم ومعروف ويوضع مكانه اسم جديد كما حال هذا الشارع :تاويمة او شارع 80 او الريف الكبير مما يوجد ازدواجية في تسمية الشارع الواحد أحدهما تعوَّد عليه الناس والآخر رسمي يندر استخدامه من قبل العامة ومثل ذلك ينطبق على نقل اسم شارع من مكان إلى آخر داخل المدينة الواحدة كما حال شارع تاويمة ، فهذا الشارع له اسم شهرة اشتق من موقع و مكان يمر به ، تعودنا عليه منذ زمن و تضعون له اليوم اسم آخر ليصبح للشارع اسمان أحدهما شائع يعرفه الناس والثاني رسمي قليل الاستخدام… تاويمة الاسم الذي يحمله هذا الشارع يدل على موقع معروف يمر به مستمد من البيئة المحلية فهو اسم مميز يندر أن يتكرر في مدينة أخرى داخل أو خارج البلد لذلك يحبذ التمسك به وعدم تغييره.
عدد الشوارع في المدينة في ازدياد ذلك أن مدينة الناظور في أوج شبابها فهي تتسع عمرانياً بمعدل يسابق الزمن وبالتالي هناك متسع لأكبر عدد من الأسماء لأخذ دورها في تسمية شوارع الأحياء الجديدة…فسموها ما تشاءون..
مصادقة مجلس المدينة على إعادة تسمية شارع تاويمة او تحويله الى “محج” ليس هو المشروع الذي تنتظره الساكنة ، فانتظارات الساكنة بعيدة عن تغيير اسماء الشوارع والامكنة، انتظارات الساكنة هي تغيير حال الشوارع المهترئة واوضاعها المزرية.. وليس اسمائها..وإن كان لابد من تغيير الاسماء فغيروا تلك الأسماء الدخيلة والتي لا تمت بصلة لتاريخ وهوية المنطقة.. غيِّروا اسماء شارع روسيا و زنقة بيرمانيا.. وزنقة بروناي و شارع باكستان و شارع ابو نواس،وزنقة انقرة والمملكة العربية السعودية او منغوليا والبحتري وابوالعتاهية الخ..الخ..الخ…تبديل اسماء أجنبية لا تمت بصلة للمنطقة بالأسماء التراثية..والتاريخية للمنطقة…الا توجد أسماء تاريخية وشخصيات ناظورية وأمازيغية في المنطقة، الا توجد أسماء جغرافية تحملها الأماكن المختلفة في المنطقة ، وما يرتبط بها من تاريخ وثقافة.!!؟
لا نختلف حول ان هؤلاء الشباب الذين يتولون تسيير امور المدينة ، طاقة كبيرة، نشؤوا وترعرعوا في هذا الناظور الكبير وأحبوه طبعا… وفي السنوات الأخيرة تم تقديم العديد من البرامج للاقليم بشكل عام وللمدينة بشكل خاص..هناك نوايا حسنة كثيرة، لكن النتائج على أرض الواقع ليست مرضية حتى الآن…لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به في المدينة، وإن وضْع المزيد من المقاعد الجديدة بعدد من الساحات والحدائق العمومية بالمدينة ليس كافيًا بالتأكيد.!
وأداء المسؤول لا يُقاس فقط بدرجة الرضا اللحظي، بل بقدرته على تحريك الملفات الراكدة، وفتح النقاشات المؤجلة، وتحمل تبعات القرارات. أما الحكم النهائي، فليس آنياً، بل تصنعه النتائج مع الوقت، ويثبته أو ينقضه مسار كامل، لا موجة رأي عابرة.
في تجارب سابقة، مرّ على الناظور عمال ورؤساء مجالس ورؤساء جماعات كثر، بعضهم اختار الحد الأدنى من التدخل، وبعضهم فضّل تجنب الملفات الثقيلة، وهو ما وفّر هدوءًا ظاهريًا، لكنه راكم إشكالات انفجرت لاحقًا.
فلما لا تعد هذه المدينة ،هي الأخرى إحدى أجمل المدن التي تجذب السائحين من جميع المدن و البلدان …
ماذا ينقصها ،خاصة اذا ما قارناها بمدن أخرى كثيرة لا تتوفر على المؤهلات التي تعرفها المدينة…
لما لا تجعلها مؤهلاتها و مقوماتها الطبيعية والتاريخية من أكثر الأماكن سحراً على المستوى الوطني، وحلماً لدى الكثير لزيارتها وقضاء عطلة فيها.
كل صور المدينة رغم بساطتها احيانا تحيل الى أنها غنية ومؤهلة لتكون قطبا سياحيا لا مثيل له..
دراسات ودراسات ، خُطط و أخرى كثيرة ، عرفتها المدينة عروس الريف نظريًّا وميدانيًّا، خاصة في السنوات الاخيرة ، دراسات ومخططات كانت ستجعل منها مدينة نموذجية رائعة لو أخذت الأمور بجدية ومسؤولية..
غير أَن أحلام المدينة خابَت حين اصطدمت بالواقع ، حين اصطدمت بواقع إِداري وسياسي فاجع والذي حوَّل مشاريع المدينة رمادًا .. بدل أَن يجدها المسؤُولون فرصة لنهضة عمرانية صحيحة و مركزًا حضاريًا فريدًا تحسُدنا عليها حتى المدن الكبيرة…
فأَكثر ما ينقُص المدينة ليس تغيير اسماء الشوارع.. بل مسؤُولون مخْلصين للشأْن العام.
وطبعا ، ومع استمرار هذا الحال، لن تنفعنا لا الاسماء الجديدة للشوارع ولا ” المحجات” و لا الصور الجميلة للمدينة و لا طبيعتها الخلابة ولا تاريخها المجيد و لن يستقطب الناظور أي اهتمام ..وهذا أمَرّْ وأَقسى ما سيعانيه هذا “الناظور الكبير” الذي كان له، ذاتَ سحابةٍ من الزمن، أَن يدهش البلد باكمله .
– خلاصة الحكاية..
قد يحلوا الكلام أكثر…وأكثر، حين نركل بالأقدام أولئكَ الذين يعبثون بمدينة تستحق العناية.







