” ريف رس ” 10 يناير 2026
جمال الغزي / المانيا
كثيرون يلاحظون، وربما يستغربون، شدة اهتمامي بالقيم وتزكية النفس، ومرهف الاحساس كما وصفني مرة عزيزي وأخي الدكتور امحرف عبد الهادي. وليس هذا الاهتمام ترفا فكريا ولا انشغالا جانبيا، بل هو همّ عميق رافقني منذ سنوات، منذ اللحظة التي أدركت فيها حجم طغيان المادة والذاتية على حساب الواجبات الإنسانية والمصلحة العامة. من هنا جاء هذا الكلام، عتابا صادقا نابعا من الحرص، لا من الخصومة، وموجها بالأساس إلى ذواتنا قبل غيرنا، ونحن نتحدث عن الناظور وإقليمه.
لا يمكن ان نبني وطنا، ولا اقليما قويا ومتوازنا، دون بناء المواطن اولا. مواطن يعرف معنى نكران الذات، ويتواضع لغيره، ويقدم الصالح العام على مصلحته الضيقة. فالناظور، بما يملكه من موقع استراتيجي، وميناء، ومطار، ومشاريع طرقية، ومؤهلات سياحية وبحرية، لا يمكن ان ينهض فقط بالبنية التحتية مهما كانت ضخمة، اذا لم تواكبها بنية أخلاقية وقيمية راسخة.
الإشكال الحقيقي ليس في انتقاد الدولة او الجهات المشرفة على تسيير القطاعات المختلفة، فالنقد حق مشروع وضرورة إصلاحية. لكن الخلل يكمن في السلوك اليومي للمواطن حين يتحول النقد الى تناقض صارخ. كيف نشتكي من تردي خدمات النظافة في شوارع الناظور، ونحن نرمي قشور نوار الشمس والأوساخ في الأرض وخارج الحاويات؟ وكيف نطالب بجمالية المدينة واحترام فضاءتها العامة، ونحن أول من يعتدي عليها؟
الخلل أيضا في من يملك الاموال والثروات، ويستفيد من فرص الاستثمار التي يوفرها الاقليم، ثم يعزف عن المساهمة في تطوير المرافق الاجتماعية والصحية والتعليمية. فالبنية التحتية ليست طرقا وموانئ فقط، بل هي مستشفيات مؤهلة، ومراكز اجتماعية، ومؤسسات تعليمية حاضنة للكرامة الإنسانية. المال حين لا يتحول الى مسؤولية، يصبح عبئا لا قيمة مضافة.
كما لا يمكن إغفال دور النخب. المثقف الذي يلوم الامي على ضعفه المعرفي، وهو لم يؤد واجبه التنويري داخل الناظور، ولم يساهم في رفع الوعي المجتمعي، شريك في الخلل. والمربي الذي يتحدث عن القيم والانضباط، وهو لا يتقن إحسان مهامه، ولا يزرع في الناشئة معنى الانتماء والمسؤولية، يهدم بصمته ما نحاول بناءه بالكلام.
إن إقليم الناظور اليوم في حاجة إلى انسجام بين البنية التحتية والبنية القيمية. المشاريع الكبرى لا تؤتي ثمارها اذا غابت الأخلاق، والاسمنت لا يصنع مدينة حية اذا غاب الضمير. الطريق والميناء والمطار لا تصنع تنمية حقيقية اذا لم يسكنها مواطن واع، يحترم القانون، ويحافظ على الملك العام، ويؤمن أن الوطن ليس غنيمة، بل أمانة.
هذا ليس خطاب اتهام، بل عتاب محب، لان الناظور يستحق الأفضل. يستحق ان نكون في مستوى مؤهلاته وطموحاته، لا بالشعارات وحدها، بل بالسلوك اليومي والعمل الصادق. تزكية النفس ليست انسحابا من الشان العام، بل هي أساسه المتين. فحين نصلح ذواتنا، ونحسن أدوارنا مهما كانت صغيرة، تصبح البنية التحتية جسدا حيا، وتسير التنمية على قدمين: قيمة وأخلاق من جهة، ومشاريع وانجازات من جهة أخرى. عندها فقط، يمكن ان نقول أننا نبني الناظور كما ينبغي.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
تعليقات الزوار