” ريف رس” 3 دجنبر 2025
حكيم شملال يكتب..
هل البرلماني المستقل هو فعلا خطوة ديمقراطية؟
إذا كانت الدولة تريد ترسيخ الديمقراطية، فالطريق ليس بتقوية استقلالية البرلماني، بل بتقوية الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب.
فرض الشفافية والتجديد داخل التنظيمات، إنهاء هيمنة المعمرين، إبعاد المال عن السياسة، تشجيع برامج واقتراحات حقيقية، وتكوين الأطر والقادة.
فالترافع داخل المؤسسات لا يمكن أن يتم عبر أفراد متناثرين، بل عبر مجموعات سياسية موحدة، قوية، متضامنة، ومتكاملة. الترافع الحقيقي يحتاج رؤية شاملة ومشروعا كاملا، ويحتاج من يدافع عنه ويؤطره وينسق بين عناصره. وهذا بالضبط هو دور من (المفروض) الأحزاب.
بنية منظمة، قادرة على إنتاج الأفكار، تأطير النقاش، وتشكيل جبهة سياسية متماسكة.
أما حين يدفع بالفرد ليواجه وحده، بلا دعم تنظيمي ولا سند فكري ولا قدرة على بناء التحالفات، فإن ذلك ليس قوة ولا حرية، بل بداية التخبط ومصير مجهول.
ومع ذلك، بدل إصلاح الأحزاب وإجبارها على تحديث هياكلها والقطع مع الفساد السياسي، يطرح اليوم اقتراح برلمانيين مستقلين وكأنه حل سحري. لكن الحقيقة أن هذا التوجه ليس تقدما ديمقراطيا، بل هروب من إصلاح السياسة وإنتاج نخبة حقيقية.
يقدم البرلماني المستقل كصورة جذابة، ويوحي بأنه غير متورط في فساد الأحزاب، وأنه شخص حر، غير مقيد، ولا يخضع لأي تأثير تنظيمي. هذا الخطاب يغري البسطاء، لأنه يقدم الفرد كبديل جاهز عن مؤسسات حزبية فقدت مصداقيتها في نظر كثيرين.
لكن هذا التصور، حين نضعه تحت المجهر السياسي ونحلله بعمق، يكشف عن إشكالات بنيوية خطيرة تتجاوز الصورة اللامعة التي تسوق له. فغياب الانتماء الحزبي لا يعني النزاهة تلقائيا، كما أن الحرية الفردية داخل مؤسسة تشريعية معقدة ليست ميزة في حد ذاتها، بل قد تتحول إلى نقطة ضعف قاتلة.
البرلماني المستقل، مهما كانت نواياه حسنة، يدخل العمل التشريعي بلا سند تنظيمي، بلا رؤية جماعية، وبلا قدرة على بناء ميزان قوة فعلي. والنتيجة غالبا سيكون حضور باهت، تأثير محدود، ومسؤولية سياسية تكاد تكون منعدمة.
فمن بين مساوئ البرلماني المستقل، أن الاعتماد عليه لا يعزز الديمقراطية، بل يكشف عن مجموعة من الاختلالات البنيوية التي تضرب جوهر العمل البرلماني. وأبرز هذه المساوئ هي:
اولا غياب المحاسبة السياسية، فالنائب المستقل يتحرك خارج أي بنية تنظيمية، ولا توجد قيادة أو جهاز سياسي يمكن مساءلته أو تحميله تبعات أدائه. فإذا فشل أو قصر أو انحرف، لا يمكن العودة إلى أي مؤسسة سياسية تحاسب باسمه، مما يجعل مسؤوليته السياسية شبه منعدمة.
ثانيا. غياب الرؤية الشمولية، فالبرلماني المستقل يدخل البرلمان دون برنامج جماعي، دون شبكة خبراء، ودون تصور متكامل للسياسات العمومية. فهو يقارب الملفات بمنطق فردي، بينما التشريع بحاجة إلى رؤية جماعية متماسكة لا يمكن للفرد المعزول توفيرها.
ثالثا. ضعف التأثير داخل البرلمان، فالقوة داخل المؤسسة التشريعية تبنى على الانتماء إلى فريق منظم، يمتلك برنامجا وكتلة تصويتية وقدرة على التفاوض وبناء التحالفات. أما المستقل، فهو صوت وحيد، حضوره رمزي وتأثيره محدود مهما كانت كفاءته.
رابعا. استعمال المستقلين كبديل لإصلاح الأحزاب، فالأخطر هو أن اللجوء إلى المستقلين يصبح وسيلة للالتفاف على أزمة الأحزاب بدل إصلاحها. فبدل فرض الديمقراطية الداخلية، وإبعاد المال، وتجديد النخب، يتم الإبقاء على الأحزاب كما هي، وإحضار أفراد مستقلين لملء الفراغ، مما يعمق الشلل بدل تجاوزه.







