الرئيسية / فن و ثقافة / قصبة سلوان الإسماعيلية.. أربعة قرون من التاريخ وأسئلة مفتوحة حول مصير معلمة من ذاكرة الريف
فن و ثقافة

قصبة سلوان الإسماعيلية.. أربعة قرون من التاريخ وأسئلة مفتوحة حول مصير معلمة من ذاكرة الريف

2026-10-31 16:31 7 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس” 31 اكتوبر 2026

جمال الغازي

في قلب جماعة سلوان بإقليم الناظور، تقف بقايا قصبة تاريخية تختزن صفحات من تاريخ الريف الشرقي والمغرب خلال العهد العلوي، ثم خلال مراحل التنافس العسكري والاستعماري في مطلع القرن العشرين. إنها قصبة سلوان، المعروفة بالقصبة الإسماعيلية، التي لم تعد مجرد أسوار قديمة تقاوم عوامل الزمن، بل أصبحت موضوعا للبحث التاريخي والتوثيق الأرشيفي، ولأسئلة متجددة حول حمايتها وصون ذاكرتها.

إن استعادة تاريخ هذه المعلمة لا ينبغي أن تقتصر على وصف ما آل إليه بناؤها، بل تستدعي العودة إلى الوثائق والخرائط والصور القديمة، ومقارنة الروايات المتداولة بالمصادر التي يمكن الرجوع إليها.

ترتبط نشأة قصبة سلوان بعهد السلطان العلوي المولى إسماعيل، الذي عرف عهده بناء التحصينات وتنظيم الحاميات العسكرية في عدد من مناطق المغرب.

وتقدم دراسة منشورة في مجلة «دعوة الحق» بعنوان «من مآثر السلطان المولى إسماعيل» رواية تاريخية تفيد بأن أشغال بناء القصبة بدأت سنة 1089 هـ، واكتملت في شعبان سنة 1090 هـ، الموافق لشتنبر 1679. وتنسب الدراسة الإشراف الهندسي إلى أحمد بن عبد الكريم بن مالك التازي.

ويقتضي هذا المعطى التمييز بين تاريخ بداية الأشغال وتاريخ اكتمالها؛ إذ تورد بعض المقالات الصحفية سنة 1676 تاريخا لتشييد القصبة، بينما ترجح الرواية المنشورة في «دعوة الحق» سنة 1679 تاريخا لاكتمال البناء.

وتشكل هذه الرواية مدخلا مهما لدراسة القصبة في سياق السياسة العسكرية والإدارية للدولة العلوية، مع ضرورة مراجعة المصادر الأصلية التي استندت إليها الدراسات الحديثة لتثبيت جميع التفاصيل المرتبطة بالتأسيس.

لم تكن القصبة مجرد بناية محصنة، بل ارتبطت بوظائف عسكرية وتنظيمية في المنطقة. وتتناول دراسة أخرى منشورة في مجلة «دعوة الحق»، بعنوان «وحدات جيش قصبة سلوان في عهد المولى إسماعيل السجلماسي»، مكونات الحامية العسكرية التي ارتبطت بها، بما في ذلك الجيش البخاري والجيش الريفي.

وتورد الدراسة عددا من التفاصيل المتعلقة بالوحدات العسكرية والقيادة، وتنقل معلومات منسوبة إلى وثائق تاريخية مرتبطة بالمهندس أحمد التازي. وتتيح هذه المادة النظر إلى القصبة باعتبارها جزءا من منظومة أوسع للتحصين وتدبير المجال.

غير أن الأرقام والتفاصيل العسكرية الواردة في الدراسة ينبغي نسبتها إليها، إلى حين مراجعة الوثائق الأصلية التي اعتمدتها.

دخلت قصبة سلوان مرحلة جديدة من تاريخها خلال اضطرابات مطلع القرن العشرين، حين ارتبطت بحركة الجلالي الزرهوني، المعروف ببوحمارة، الذي اتخذ منها موقعا مهما في مشروع تمرده على السلطة المغربية.

وتذكر كتابات تاريخية وصحفية أن بوحمارة استقر بالقصبة في تلك المرحلة، قبل أن يغادرها سنة 1908 عقب تصاعد المعارضة ضده.

وتورد بعض الروايات المحلية أن ممارساته تجاه القبائل المحيطة أسهمت في تأليبها عليه. وتحتاج تفاصيل هذه الأحداث إلى المقارنة مع الوثائق المغربية والإسبانية المعاصرة، خصوصا فيما يتعلق بالتواريخ الدقيقة وأسباب مغادرته.

وفي شتنبر 1909، احتلت القوات الإسبانية القصبة في سياق العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة.

وتوفر المكتبة الرقمية لوزارة الدفاع الإسبانية سجلات وصورا تاريخية مرتبطة بسلوان خلال تلك المرحلة، بما فيها مجموعة من المناظر البانورامية العسكرية المنشورة سنة 1909، تضم مشاهد لمواقع مختلفة في الريف، من بينها سلوان.

وتتيح هذه المواد إمكان دراسة شكل المعلمة ومحيطها في مطلع القرن العشرين، شريطة تحديد الصورة المناسبة والتحقق من بياناتها الأصلية.

لا يتوقف تاريخ القصبة عند مرحلة الاحتلال العسكري. فقد كشفت عمليات البحث عن وثيقة إسبانية مؤرخة في 2 يوليوز 1912، تتعلق بمخطط لتوزيع المياه والمراحيض وقنوات الصرف الصحي داخل قصبة سلوان. وتحمل الوثيقة المرجع الأرشيفي SH AFI-411/20، وهي محفوظة ضمن أرشيف المهندسين العسكريين الإسبان.

وتكتسب هذه الوثيقة أهميتها من كونها تقدم مدخلا لدراسة التجهيزات والمرافق داخل القصبة، لكنها لا تثبت وحدها أن جميع الأشغال المقترحة نُفذت فعليا.

كما توجد خريطة طبوغرافية إسبانية لمنطقة سلوان تعود إلى سنة 1928، بمقياس 1:50,000، فضلا عن مخطط للقصبة ضمن ملف وثائقي أوسع مرتبط بأحداث مليلية سنة 1921.

ويمكن أن تساعد هذه الوثائق في إعادة بناء صورة المجال المحيط بالقصبة، ومسالك الحركة العسكرية، وموقعها ضمن شبكة التحصينات والطرق.

وفي السياق نفسه، توجد صورة أرشيفية مؤرخة في 18 أكتوبر 1921، بعنوان «بطارية مدفعية في وضعية إطلاق النار أثناء الاستيلاء على سلوان». وهي محفوظة في الأرشيف العسكري العام بمدريد تحت الرقم F.05329.

وتوثق الصورة مشهدا من العمليات العسكرية المرتبطة بالمنطقة، مع ضرورة التحقق من موقع البطارية بدقة قبل ربطها مباشرة بأسوار القصبة.

أما خلال الثلاثينيات، فتشير دراسة أكاديمية إلى وثيقة إدارية مؤرخة في 30 مارس 1932، تتعلق بتسليم القصبة إلى اتحاد للنقابات الزراعية من أجل استعمالات مرتبطة بتخزين الحبوب والمنتجات الزراعية والأسمدة.

ويحتاج هذا المعطى إلى مراجعة الوثيقة الإدارية الأصلية لتحديد نطاق المباني التي شملها التسليم، وطبيعة الاستعمالات التي نُفذت بالفعل.

ومن الجوانب الأقل حضورا في الروايات المحلية المتداولة، استخدام قصبة سلوان سجنا ومعسكرا للاعتقال خلال الحرب الأهلية الإسبانية.

وتوجد دراسة بعنوان «السجن ومعسكر الاعتقال في قصبة سلوان» تتناول هذه المرحلة، وتشير إلى تقارير من سنة 1937 تتعلق بالمعتقلين داخل المعسكر.

كما يوجد دليل أرشيفي رسمي لملفات المعسكر في الأرشيف العسكري العام بغوادالاخارا، يضم 1,072 ملفا قضائيا ضمن السلسلة الأرشيفية المعروفة باسم «لا ألكاثابا» بسلوان.

وتغطي السلسلة فترة زمنية تمتد من 1930 إلى 1996، مع تركّز نسبة كبيرة من الملفات بين 1936 و1939.

وتتيح هذه الملفات، بحسب وصف الفهرس، إمكان دراسة بيانات المعتقلين وتواريخ الاعتقال والنقل والإفراج وبعض الإجراءات القضائية أو التأديبية.

ويكشف هذا الأرشيف أن القصبة لم تكن مجرد موقع عسكري في تاريخ الريف، بل شهدت أيضا تحولات قاسية في وظيفتها خلال القرن العشرين.

غير أن دراسة هذه المرحلة تتطلب التعامل مع ملفات الأشخاص ووثائقهم بحذر، وعدم تعميم المعلومات الواردة في بعض التقارير على جميع المعتقلين.

وإلى جانب الوثائق العسكرية، ورد في تقرير صحفي محلي سنة 2010 وصف للقصبة باعتبارها تمتد على مساحة تقارب أربعة هكتارات، وتتضمن بابين وأربعة أبراج كبيرة عند الزوايا.

وقد نُسبت هذه المعلومات إلى بطاقة تعريفية قدمها الباحث ميمون كلازي خلال نشاط لجمعية أمزروي للدراسات التاريخية والموروث الثقافي.

وتظل هذه المعطيات الوصفية مفيدة، لكنها تحتاج إلى مقارنتها بمخطط معماري حديث ورفع ميداني دقيق لتحديد المساحة والأجزاء الأصلية التي لا تزال قائمة، والأجزاء التي تعرضت للانهيار أو التغيير.

كما أن مقارنة الصور العسكرية القديمة بالصور الحالية قد تساعد في توثيق تطور الأسوار والأبراج والمداخل، وتحديد المواضع التي تستحق تدخلا عاجلا من أجل الحماية.

لم يكن الاهتمام بحماية قصبة سلوان وليد السنوات الأخيرة. فقد وثق تقرير صحفي سنة 2010 مطالب جمعوية بترميم المآثر التاريخية في المنطقة، فيما تناولت مقالات لاحقة وضع القصبة وما تعرضت له من تدهور، إضافة إلى مطالب تحويلها إلى فضاء ثقافي وسياحي.

وفي السنوات الأخيرة، عاد موضوع المعلمة إلى المؤسسة التشريعية من خلال أسئلة كتابية بشأن تثمينها السياحي والثقافي، وبشأن التدابير المتعلقة بترميمها وتقييدها ضمن المعالم التاريخية.

ويظهر في سجل مجلس النواب سؤال كتابي رقم 21346 يتعلق بالإهمال الذي يطال القصبة، مع تسجيل تاريخ جواب هو 16 أبريل 2026.

غير أن الاطلاع على سجل السؤال وحده لا يكفي لمعرفة مضمون الجواب الوزاري الكامل، ولا لإثبات صدور قرار نهائي بالتقييد أو تخصيص ميزانية للترميم.

ومن ثم، فإن الوضع القانوني الحالي للقصبة، ومآل الدراسة التشخيصية التي أُعلن عنها سابقا، وحقيقة وجود مشروع ممول أو أشغال منجزة، كلها مسائل تحتاج إلى وثائق إدارية رسمية حديثة.

تسمح المواد التي جُمعت حتى الآن بإثبات وجود رواية تاريخية مفصلة عن تأسيس القصبة في عهد المولى إسماعيل، وبوجود صور ومخططات عسكرية إسبانية توثق سلوان في مطلع القرن العشرين، فضلا عن وثائق تتعلق بالمرافق الهندسية والتحولات العسكرية والاجتماعية للمعلمة.

لكن عددا من التفاصيل لا يزال يحتاج إلى مزيد من التحقق، ومنها بعض تواريخ الترميمات القديمة، والتفاصيل الدقيقة لأحداث بوحمارة، ومضمون الوثائق الإدارية الخاصة باستعمال القصبة سنة 1932، ثم الوضع القانوني الحالي للمعلمة ومصير مشروع ترميمها.

ولا ينبغي أن يتحول غياب وثيقة متاحة للباحث إلى حكم نهائي بعدم وجودها؛ فقد تكون محفوظة في أرشيف غير مفهرس رقميا، أو في ملف إداري لم يُنشر بعد.

إن قصبة سلوان ليست مجرد أسوار متآكلة، بل شاهد مادي على مراحل متعددة من تاريخ المغرب والريف الشرقي: من الدولة العلوية وتنظيمها العسكري، إلى الاضطرابات السياسية والاحتلال الإسباني، ثم التحولات التي عرفتها المعلمة خلال القرن العشرين.

ويتيح جمع الوثائق المغربية والإسبانية، والصور القديمة، والخرائط العسكرية، والدراسات الأكاديمية، بناء تاريخ أكثر دقة للقصبة، بعيدا عن الاكتفاء بالروايات المتكررة أو الأحكام المسبقة.

ويبقى المطلوب اليوم هو استكمال هذا العمل بوثائق رسمية تحسم وضع المعلمة القانوني، وتوضح مصير الدراسة التشخيصية، وتكشف ما إذا كان هناك برنامج ممول لحمايتها وترميمها.

فصون قصبة سلوان لا يبدأ من إعادة بناء أسوارها وحدها، بل من حماية وثائقها وصورها وذاكرتها، وإتاحة المجال للباحثين والخبراء من أجل استكمال تاريخها على أساس من الدليل والتحقق.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *