الرئيسية / الناظور / الناظور والجالية… حين يحول البعض الصيف إلى موسم للنفايات والفوضى
الناظور

الناظور والجالية… حين يحول البعض الصيف إلى موسم للنفايات والفوضى

2026-07-30 14:23 3 دقائق قراءة 0 تعليقات

” ريف رس ” 30 يوليوز 2026

ما إن يحل فصل الصيف حتى تدخل مدينة الناظور في امتحان سنوي لا يبدو أنها تنجح فيه. فالمشكلة ليست في قلة حاويات الأزبال، فهي موجودة في معظم الأحياء، وإنما في غياب الحد الأدنى من احترام الفضاء العام لدى فئة من الوافدين الذين يتعاملون مع المدينة وكأنها محطة عابرة لا بيتًا يسكنه آلاف المواطنين.

حي المطار يقدم الصورة الأكثر قتامة لهذه الظاهرة، باعتباره يضم عددا كبيرا من الشقق المفروشة التي تستقبل كل صيف أفرادا من الجالية المغربية المقيمة بالخارج، إلى جانب مصطافين قادمين من مدن أخرى. وما إن يبدأ الموسم حتى تتحول الأرصفة ومداخل العمارات إلى نقاط لتجميع أكياس النفايات، بل إن بعض المشاهد تجاوزت كل حدود المنطق، بعدما أصبح رمي الأزبال من النوافذ سلوكًا يتكرر أمام أعين الجميع، وكأن الحضارة تُترك عند بوابة الميناء أو المطار.

ومن باب الإنصاف، ليس كل أفراد الجالية سواء. فهناك من يعود إلى مدينته أو إلى وطنه وهو يحمل معه قيم احترام النظام والنظافة، ويقدم نموذجًا يُحتذى به في التعامل مع الفضاء العام. لكن، في المقابل، هناك فئة أخرى تتصرف بطريقة تسيء إلى نفسها قبل أن تسيء إلى الجالية كلها، فتملأ الشوارع بالنفايات، وتزعج السكان بالضجيج، وتتعامل مع المدينة وكأنها فضاء بلا قانون ولا سكان. هذه الفئة هي التي صنعت صورة سلبية يدفع ثمنها الجميع.

غير أن المسؤولية لا تقف عند هؤلاء. فعدد من أصحاب الشقق المفروشة يتحملون نصيبًا كبيرًا من هذه الفوضى. فكل ما يعنيهم هو اكتمال الحجوزات وارتفاع المداخيل، أما توعية المكتَرين أو إلزامهم باحترام الحي وقواعد النظافة، فلا يبدو أنه يدخل ضمن اهتماماتهم. لا أحد يخبر الوافدين بأن الحاويات موزعة في مختلف أرجاء الحي، ولا أحد يذكرهم بأن الرصيف ليس مزبلة، وأن مدخل العمارة ليس مكانًا لتكديس أكياس القمامة. المهم أن تُجمع الأموال، أما راحة السكان الدائمين فآخر ما يُفكر فيه.

ولا يمكن إعفاء الجهات المعنية من المسؤولية كذلك. فعمال النظافة، في كثير من الأحيان، يبدون وكأنهم مكلفون بتنظيف الصورة لا المدينة. الشوارع الرئيسية تحظى بالعناية لأنها الواجهة، بينما الأزقة والأحياء الداخلية تغرق في أكوام النفايات والروائح الكريهة، في مشهد يكشف أن سياسة “تلميع الواجهة” لا يمكن أن تخفي واقعًا يعيشه السكان كل يوم.

المؤلم أن هذه الفوضى أصبحت تتكرر كل صيف حتى اعتادها الجميع، وكأن رمي الأزبال من النوافذ أو تركها أمام العمارات سلوك طبيعي لا يستحق الاستنكار. والحقيقة أن المدينة لا تعاني فقط من أزمة نظافة، بل من أزمة وعي، ومن غياب المحاسبة، ومن تساهل مع سلوكات لا يمكن أن تُقبل في أي مدينة تحترم نفسها.

لقد أصبح كثير من سكان الناظور يستقبلون فصل الصيف بقلق بدل الفرح. ليس بسبب الحرارة، ولا بسبب الاكتظاظ، بل لأنهم يعرفون أن الموسم سيحمل معه من جديد أكياس النفايات فوق الأرصفة، والضجيج حتى ساعات متأخرة، ومظاهر الفوضى التي تشوه وجه المدينة وتُفسد حياة سكانها.

الناظور ليست في حاجة إلى المزيد من الحاويات، بل إلى المزيد من الوعي. وليست في حاجة إلى شعارات عن المواطنة، بل إلى تطبيق صارم للقانون على كل من يرمي النفايات في الشارع، وإلى إلزام أصحاب الشقق المفروشة بتحمل مسؤولياتهم، وإلى خدمات نظافة تصل إلى كل الأزقة لا إلى الواجهات فقط.

فالمدينة التي يشتاق إليها أبناؤها في الغربة تستحق، عندما يعودون إليها، أن تُعامل بحب واحترام، لا أن تتحول إلى ضحية سلوكات تفتقد إلى أبسط قواعد التحضر. ومن يحب الناظور حقًا، لا يرمي فيها كيس قمامة من نافذة، ولا يترك خلفه ما يجعل سكانها يعدّون الأيام في انتظار نهاية الصيف.

ليست المشكلة في أن يعود أبناء الوطن لقضاء عطلتهم بين أهلهم، بل في أن يعود بعضهم وهو ينسى أن حب المدينة لا يُقاس بعدد الصور التي يلتقطها فيها، وإنما بقدر احترامه لشوارعها وأحيائها وسكانها. فالناظور ليست منتجعًا مؤقتًا يُغادر بعد أسابيع، بل مدينة يعيش فيها أناس يستحقون أن ينعموا بالنظافة والسكينة طوال العام، لا أن ينتظروا نهاية الصيف ليعودوا إلى مدينتهم.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *