” ريف رس ” 28 يوليوز 2026
في الناظور، لم يعد المواطن يسأل: “من المسؤول؟”، بل أصبح يسأل: “أين اختفى المسؤول؟” والجواب، في أغلب الأحيان، بسيط ومختصر “خارج التغطية.”وحتى أعين وآذان المجلس، فقد أصابها – على ما يبدو – عمى إداري وصمم اختياري، فلا ترى أكوام النفايات وهي تكبر يومًا بعد يوم، ولا تسمع شكاوى المواطنين وهي تتضاعف مع كل صباح.
وهكذا وجد المواطن نفسه مضطرًا إلى إعادة رسم خريطة المؤسسات. لم يعد يقصد الجماعة، صاحبة الاختصاص في كثير من الملفات، بل أصبح يتوجه مباشرة إلى السلطة المحلية، لأنها ببساطة أصبحت الملاذ الأخير، وربما الأول أيضًا.
هل تؤرقك الكلاب الضالة؟ اذهب إلى الباشا.
هل تحاصرك أكوام النفايات؟ اطرق باب القائد.
هل ضقت ذرعًا باحتلال الملك العمومي؟ توجه إلى الملحقة الإدارية.
هل أرهقتك فوضى الفراشة، أو المتسولون، أو المتشردون، أو حراس السيارات الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الأرصفة، أو اللصوص، أو كل تلك المظاهر التي جعلت المدينة تبدو وكأنها تُدار بنظام “دبر راسك”؟ فلا تضيع وقتك في البحث عن المجلس الجماعي، لأن البحث عنه قد يستغرق وقتًا أطول من حل المشكلة نفسها.
والمفارقة التي تستحق أن تُدرّس في كليات الإدارة، أن السلطة المحلية، رغم محدودية إمكانياتها، وتراكم الملفات، وضيق الوقت، تحاول أن تمسك العصا من الوسط، وأن تجد حلولًا بما هو متاح، وتوازن بين الإمكانات والأولويات. أما المجلس الجماعي، صاحب الاختصاص الأصيل في معظم هذه الملفات، فيبدو وكأنه اختار أن يمارس سياسة جديدة يمكن تسميتها بـ**”التدبير عن بُعد”… بعيد جدًا حتى عن هموم المواطنين.**
في الناظور، لم تعد النفايات تبحث عمّن يرفعها، بل أصبحت هي التي تبحث عن المجلس الجماعي لتتعرف عليه. والكلاب الضالة تعرف أزقة المدينة أكثر مما يعرفها بعض المنتخبين. أما الأرصفة، فقد خرجت من الملك العام إلى الملك الخاص، وصار المشاة هم الغرباء، بينما أصحاب الاحتلال غير القانوني يتجولون بثقة أصحاب الأملاك.
والأغرب من ذلك كله أن المجلس الجماعي ليس شخصًا واحدًا حتى نقول إن الرجل غاب أو انشغل. إنه رئيس، ونواب، ومستشارون، ولجان، وإدارة، وموظفون، واجتماعات، وتعويضات، وسيارات… جيش جرار من المنتخبين. لكن عندما يحين موعد النزول إلى الميدان، يتحول هذا الجيش إلى كتيبة من الأشباح، تسمع عن وجودها، لكنك لا تراها إلا في الصور الرسمية، أو خلال الدورات، أو عند التقاط الصور التذكارية.
حتى أصبح المواطن يحفظ الطريق إلى مكتب الباشا أكثر مما يحفظ الطريق إلى مقر الجماعة، لأن التجربة علمته أن هناك من يسمع شكواه، بينما هنا قد يجد بابًا مغلقًا، أو هاتفًا صامتًا، أو مسؤولًا خارج الشبكة.
ولو كان للمدينة أن ترفع لافتة على مدخلها، لكتبت عليها،” مرحبًا بكم في الناظور… إذا احتجتم إلى خدمة جماعية، فتوجهوا إلى السلطة المحلية، أما المجلس الجماعي فموجود نظريًا فقط.”
بل لعل الجماعة مطالبة بتعليق إعلان صريح أمام مقرها يقول “نعتذر عن استقبال المواطنين، لأنهم اعتادوا الذهاب إلى مكان آخر.”
إنها مفارقة مؤلمة بقدر ما هي مضحكة. المواطن يؤدي الضرائب للجماعة، ثم يبحث عن الحل عند السلطة المحلية. يشتكي من مشاكل تدخل في اختصاص المجلس، فيجد نفسه يطرق أبوابًا أخرى، بينما أصحاب الاختصاص الأصلي يبدون وكأنهم في إجازة مفتوحة لا يعلم أحد تاريخ انتهائها.
فالمنتخب لا يُنتخب ليكون ضيف شرف على المدينة، ولا ليكتفي بحضور الاجتماعات والتقاط الصور، بل ليكون أول من يسمع، وأول من ينزل إلى الميدان، وأول من يُسأل عندما تتراكم الأزمات. أما أن تتحول الجماعة إلى مؤسسة غائبة، بينما تتحمل السلطة المحلية عبئًا يتجاوز اختصاصاتها وإمكاناتها، فذلك ليس توزيعًا للأدوار، بل اعتراف صامت بأن جهةً ما قررت الانسحاب من المشهد وترك الآخرين يطفئون الحرائق.
وإلى أن يقرر المجلس الجماعي العودة من رحلته الطويلة خارج التغطية، سيظل المواطن، كلما اصطدم بباب مغلق أو هاتف لا يرن أو مسؤول لا يُرى، يردد بحرقة ممزوجة بالسخرية:
“لمن تشكو همك يا داود… إذا كان صاحب الدار آخر من يعلم بما يجري داخلها؟!”
وفي انتظار أن يعود المجلس الجماعي إلى مجال التغطية، سيظل الباشا وقواد الملحقات الإدارية يستقبلون شكاوى هي في الأصل من اختصاص مؤسسة انتخبها المواطن لخدمته، لا لتتركه يبحث عن من يقوم مقامها .”







