الرئيسية / الناظور / عندما يسبح القضاء بالناظور ضد التيار .. بين روح القانون ومقصلة القانون الجنائي… لماذا يُصرّ بعض القضاة على معاكسة إرادة المشرّع؟
الناظور

عندما يسبح القضاء بالناظور ضد التيار .. بين روح القانون ومقصلة القانون الجنائي… لماذا يُصرّ بعض القضاة على معاكسة إرادة المشرّع؟

2026-07-22 14:08 4 دقائق قراءة 0 تعليقات

”  ريف  رس ” 22 يوليوز 2026

بقلم : نبيلة هادفي

ليس كل حكم قضائي مجرد قرار يفصل في نزاع بين طرفين، بل إن بعض الأحكام تتحول إلى رسائل قانونية ومؤسساتية ترسم معالم العدالة وتحدد اتجاهها. وهذا ما جسدته المحكمة الابتدائية بمراكش عندما قضت بعدم الاختصاص في الشكاية المباشرة التي تقدمت بها عمدة المدينة  ، فاطمة الزهراء المنصوري ضد موقع “برلمان.كوم” ومديره المسؤول، مؤكدة، من خلال تعليلها، أن قضايا النشر لا يمكن التعامل معها بمنطق الانتقاء بين القوانين، وإنما وفق الإطار الذي حدده المشرع سلفاً، وهو مدونة الصحافة والنشر.

لقد كان القرار بمثابة تذكير بقاعدة قانونية يفترض أنها محسومة منذ سنوات، وهي أن قانون الصحافة ليس مجرد نص تكميلي يمكن تجاوزه متى شاء المشتكي أو رأت جهة ما أن القانون الجنائي أكثر صرامة، بل هو القانون الخاص الذي جاء لينظم مجالاً محدداً، ويحسم في كيفية مساءلة الصحفيين ومؤسساتهم الإعلامية.

لكن، وبينما كانت محكمة مراكش تعيد الاعتبار لروح القانون، كان سؤال آخر يفرض نفسه بقوة،  لماذا يبدو هذا المنطق غريباً داخل محاكم الناظور؟

فمن يتابع عدداً من الملفات المرتبطة بالنشر في هذه المدينة، يلاحظ أن قانون الصحافة غالباً ما يغيب عن منصة المحاكمة، ليحل محله القانون الجنائي، وكأن المشرع الذي سن مدونة الصحافة لم يكن يعني ما كتب، أو كأن إرادته التشريعية قابلة للتجاوز كلما تعلق الأمر بمتابعة صحفي أو وسيلة إعلام.

إن الأمر لا يتعلق بحالة معزولة، ولا باجتهاد عابر، بل أصبح، في نظر كثير من المتابعين، توجهاً يثير أكثر من علامة استفهام. فكم من صحفي وجد نفسه أمام تهم جنائية بسبب مادة منشورة؟ وكم من ملف إعلامي انتهى تحت مقصلة القانون الجنائي، رغم أن موضوعه يدخل في صميم قانون الصحافة والنشر؟

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز عليه، إذا كان المشرع قد خصص قانوناً للصحافة، فلماذا يتم الإصرار على تجاوزه؟.

إن الفقرة الأخيرة من المادة 17 من مدونة الصحافة والنشر ليست نصاً غامضاً يحتمل عشرات التأويلات، بل تنص بوضوح على أن أحكام القوانين الأخرى لا تسري على كل ما ورد فيه نص صريح في المدونة. وهي قاعدة قانونية مستقرة مفادها أن القانون الخاص يقيد القانون العام. فكيف يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح القانون الجنائي هو المرجع الأول في قضايا النشر؟

لا أحد يطالب بإعفاء الصحفي من المحاسبة، ولا أحد يقول إن حرية التعبير تعني حرية الإساءة أو التشهير أو الاعتداء على حقوق الآخرين. لكن المحاسبة يجب أن تتم بالقانون الذي وضعه المشرع لهذه الحالات، لا بقانون آخر يبدو في كثير من الأحيان أكثر ردعاً وأشد وطأة.

فالدولة، عندما أصدرت مدونة الصحافة والنشر، لم تكن تقوم بتمرين تشريعي، بل كانت تعبر عن اختيار سياسي وقانوني واضح، عنوانه إخراج قضايا النشر من دائرة الزجر الجنائي التقليدي، وتكريس ضمانات أوسع لحرية الصحافة، انسجاماً مع الدستور والتزامات المغرب الدولية.

لكن يبدو أن هذا الاختيار لم يصل بعد إلى بعض القضاة بمحاكم الناظور،طبعا إلا من رحم ربك، وهم قلة من القضاة الذين يعدون على رؤوس الأصابع ، انتصروا لروح القانون، واحتكموا إلى مدونة الصحافة والنشر باعتبارها المرجع الطبيعي في قضايا النشر..

والمؤسف أن هذا التباين يخلق مفارقة يصعب تفسيرها، ففي الوقت الذي يجد فيه صحفي بمراكش أو الرباط أو مدن أخرى محكمة تناقش قضيته في ضوء قانون الصحافة، يجد صحفي بالناظور نفسه أمام مقتضيات القانون الجنائي في قضية تتعلق بالنشر. فهل أصبحت العدالة تختلف باختلاف المدينة؟ وهل صار القانون يُقرأ بعيون متعددة، بحيث تتغير نتائجه كلما تغيرت الخريطة القضائية؟

إن أخطر ما في هذا الوضع ليس الأحكام في حد ذاتها، وإنما الرسالة التي تصل إلى الجسم الصحفي. رسالة مفادها أن الضمانات التي منحها المشرع قد لا تكون كافية إذا كانت بعض الاجتهادات القضائية تختار طريقاً آخر. وهذا يخلق حالة من انعدام اليقين القانوني، وهي أخطر ما يمكن أن يصيب أي منظومة للعدالة.

فالصحفي لا يحتاج إلى امتيازات، وإنما يحتاج إلى وضوح في القواعد. يحتاج إلى أن يعرف مسبقاً القانون الذي سيحاكم بموجبه إذا أخطأ. ويحتاج، قبل ذلك، إلى قضاء موحد في فهمه للنصوص، حتى لا يصبح مصيره رهيناً بالمحكمة التي تنظر ملفه.

إن القضاء، بحكم مكانته الدستورية، مطالب ليس فقط بتطبيق القانون، بل أيضاً بتجسيد فلسفته. وروح مدونة الصحافة واضحة، فهي جاءت لتؤطر حرية التعبير، لا لتفرغها من مضمونها عبر الالتفاف عليها كلما تعلق الأمر بملف إعلامي.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس امتيازاً للصحفيين، ولا حصانة لهم، بل احترام الإرادة التشريعية التي اختارت قانوناً خاصاً للنشر، وتوحيد الاجتهاد القضائي حتى لا تبقى حقوق المتقاضين رهينة اختلاف المقاربات من محكمة إلى أخرى.

لقد قالت محكمة مراكش كلمتها، وقدمت نموذجاً قانونياً يستحق التأمل. ويبقى السؤال معلقاً في محاكم الناظور:

إلى متى سيظل القضاء بالناظور يسبح ضد التيار؟

وإلى متى سيظل قانون الصحافة، الذي أراده المشرع المرجع الأول في قضايا النشر، آخر القوانين التي يُحتكم إليها؟

إن هذه الأسئلة ليست طعناً في القضاء، بل دعوة صريحة إلى نقاش قانوني ومؤسساتي مسؤول حول توحيد الاجتهاد، لأن قوة العدالة لا تُقاس فقط باستقلالها، وإنما أيضاً بقدرتها على تطبيق القانون بروح واحدة، وبالمعيار نفسه، في كل ربوع الوطن.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *