” ريف رس” 19 ابريل 2026
محمد بوتخريط – هولندا
(على هامش ما قيل ويقال حول هدم ارشمان ).
تفتّحت أعيننا – نحن أبناء شبذان – على قرية جميلة حافلة بالذكريات، سوق و شواطئ و سهول بحُلة خضراء تسرّ
الناظرين واشياء اخرى كثيرة، قرية مُشبِعةٍ لفضول البصر وشغفِه، بما يكفي لتصوُّر القرية العتيقة في كل عصورها على
الصورة التي أدركناها ورأيناها..
كان ذلك منذ اعوام من الان .. والان صمت مطبق يبتلع صرخات المعاول و الجرافات.
لكن ! دعوني اولا افشي لكم سرا، لقد ترددت كثيراً قبل الكتابة، إذ ربما سيرى البعض في ما سأكتبه شيئاً مثيراً، خاصة
حين أُقر اني لست ضد الهدم الذي تشهده بعض الاماكن في القرية،في وقت ينتقد الكثير هذه الخطوة ويصفونها بأنها تمثل
“هدماً للتاريخ”، بل ومطالبين بإيقاف عمليات الهدم في ارشمان بصورة فورية والبحث عن حلول بديلة..
ولا أجد انا في موقفي وجعاً يفوق وجع الآخرين، فالقصة مكررة ومتشابهة مع قصص منازلنا القديمة المهدمة في شبذان ،
ولو بتفاصيل وذكريات مختلفة،منازلنا القديمة التي أكلها الدهر وجارت عليها الأيام ، أشهرنا معاول الهدم في وجهها،
هدمناها وأصلحناها…وكذلك حال ارشمان اليوم.. ولو بتفاصيل مختلفة..
صحيح ، شتان بين النقيضين الهدم والبناء.. لكن الأمل في مستقبل أفضل لم يترك لنا حرية الاختيار…وانا اليوم لست
ضد الهدم.. كما حال الكثير من ابناء القرية ولو ان لسان الحال يقول ؛”افعلوا ما شئتم واهدموا ما شئتم، خذوا الجدران
والحجر ، لكن اتركوا الارض لنا..فلن ننسلخ عن جلودنا”. لكن لنكن واقعيين قليلا فلا يمكن أن نبني دون أن نهدم بعض
ما يجب هدمه .. ولا يمكن أن نهدم فقط دون أن نربط مشروع هدمنا بالبناء.
واليوم يضعنا الهدم في قرية اركمان أمام السؤال القديم المتجدد، الذي يختار البعض أن “يتوهوا” أمامه مع سبق الإصرار
والرغبة : هل نحن نريد قرية قوية جديدة…ونظيفة.؟ أم نحن نريد ان تبقى القرية غارقة في الفوضى والعشوائيات وغير
امنة ؟؛
والهدم في قرية اركمان ليس نهاية، بل بداية جديدة… بداية مسار اكثر تعقيدا .. تُهدم القرية القديمة لإفساح المجال لبناء
قرية جديدة أصلب وأجمل…وأنظف.
لكن كيف يعيد الهدم تشكيل صورة ارشمان؟
كيف ستتوسع القرية وتتجمل وتكبر اكثر..قرية لا تزال طبيعتهُا بكرا، ومساراتها السياحية غير ممهدة، ..
فالبحر لوحده لا يكفي ، الثروة السمكية في تراجع مخيف و أهلنا الكرام في البلدة، وشبابها الواعي والطموح يدركون ذلك
جيدا..
السياحة ،موسمية تعتمد فقط على “الجالية” التي اعتادت أن تتوافد إلى القرية خلال أشهر الصيف، لتتحول القرية إلى
مركز حيوي نابض بالحياة لكن فقط لشهر او شهرين … وبالتالي لا يمكن الحديث عن استقرار اقتصادي على طول
السنة.
والفلاحة، ضعيفة جدا في ارشمان تواجه هي الاخرى ضعفاً شديداً ناتجاً عن تداخل عدة عوامل طبيعية وبشرية
قاسية..نقص المياه الجوفية والسطحية، تملح الفرشات المائية، تقلبات مناخية ..عوائق تحد من الإنتاج الزراعي وتزيد من
تدهور التربة في هذه المناطق القاحلة أو شبه القاحلة التي يريدون ان يجعلوا منها قسرا اراض فلاحية ..
هذا الثالوث اذن لا يكفي لسد الفراغات، لا البحر ولا السياحة ولا الفلاحة…. ولا حتى الممارسات والسياسات المتبعة
…هذه السياسات الني لم تعي بعد ان النجاح في تحقيق التنمية ليس حكراً على من يملك الموارد الأوفر فحسب، بل على
من يدرك مقوماتها ومن يحسن استثمارها.. والقرية لا تزال طبيعتهُا بكرا، ومساراتها السياحية غير ممهدة .!
لتبقى الأسئلة مفتوحة لا تنطفئ ، متشابهة لدى المواطن “الاركماني”.. تتشابه لأن الممارسات والسياسات متطابقة، كل
السياسات هي في مزيد من “الإعمار” لا التنمية، وقد لا يكون في ذلك خطأ كبير في رأي بعض “جهابذة” الاقتصاد عندنا،
ولكن لا تبنى الاقتصادات القوية على العقار من مطاعم ومقاه وسياحة استجمامية حسية وسطحية جداً، وليس لها أي
علاقة بالثقافة والحضارة أو الإنتاج الذي يخلق فرص عمل أكثر استدامة لشباب المنطقة..
فإن كان هدم ماضي القرية تطلب لدى المسؤولين كل هذه الجرأة، فبناء مستقبل القرية يتطلب الشجاعة والمسؤولية لجعل
هذه العملية تساهم في إعادة تشكيل القرية وتوفير المساحات اللازمة لمشاريع جديدة…فإن كان الهدم ضروريًا لتفادي
المخاطر المحتملة الناتجة عن المباني المتهالكة، مثل انهيارها أو تأثيرها السلبي على البيئة المحيطة. فيجب كذلك ان يف
هذا الهدم المجال أمام تطوير مشاريع جديدة تعزز من جودة الحياة في القرية بتوفير خدمات أفضل ومستدامة، ولتقليل
معدلات البطالة بين الشباب وتعزيز الاقتصاد المحلي وجذب الاستثمارات، و حماية البيئة من خلال مشاريع صديقة..
والامر يتطلب تضافر جهود الجميع لمواجهة متطلبات هذه المرحلة وما تفرضه من تحديات ،و تبني العمل الجماعي
وتغليب المصلحة العامة،كلنا مسؤولون …جميع من في القرية مسؤول عن بناءها والمحافظة عليها كلٌ في مجاله، كلّ من
موقعه، بدءًا من رئيس الجماعة إلى كلّ مواطن له دور في ذلك.. و لا مفر اليوم من الصدق مع أنفسنا قبل أن نوزع
المسؤوليات – رغم أحقية ذلك -…هو خيارنا الأول الذي يستحق كل الدعم، إن كنا نريد فعلا حماية ارشمان وما جاوره..
ما يجري اليوم من عملية الهدم ليس مجرد حدث عابر… بل بداية مرحلة يدرك كثيرون حقيقتها ولو متأخرين…مرحلة
كانت مبرمجة منذ زمن ،سبقتها “اشارات عابرة” وهناك من ظنّ أن هذه “الاشارات” كانت مبالغة، لكن الأيام بدأت
تكشف ما كان خفيا .
واليوم هناك حالة من الوعي العام أو “يقظة” تجاه ما يحدث، ولكن هذا الوعي غالباً ما يواجه بعض التحديات الحقيقية ،
منها غياب استراتيجية الوصول الى المعلومة ففي كثير من الأحيان، وبسبب طبيعة الاحداث، يلتزم الكثيرون الصمت،
فليس كل ما يجري “معروفاً” للعلن أو قابلاً للنشر، ثم كذلك الاشاعات و تدليس او تزييف الحقائق ،مما يخلق غفلة
والتباساً رغم المعلومات “المتاحة”.
إن ما يجري يأتي في سياق سياسة ممنهجة ضمن مسار تصعيدي متواصل من “المشاريع” المبرمجة التي لا نعلم متى
ستبلغ ذروتها… وان تصميم التهيئة الخاص لوكالة تهيئة بحيرة مارتشيكا ليس هو الاخير ،هو جزء من سلسلة مستمرة من
المشاريع ولا يمثل نهاية المطاف…وعلى المسؤولين الاسراع بالكشف عنها واعلانها بكل مسؤولية وشفافية لاهالي
المنطقة وساكنيها…حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة وتصل إلى ما لا يُحمد عقباه ، وهذا ليس تحذير استباقي بل هي
فقط دعوة لتعزيز الحكمة، والتعقل، واتخاذ إجراءات احترازية لتجنب تفاقم الوضع..والعمل على نزع فتيل الاشاعات
والمغالطات التي قد تؤدي إلى نتائج كارثية يصعب إصلاحها…وقبل ان تتحول إلى “هاوية لا رجعة منها”.
خلاصة الحكاية :
أرشمان يطالب بقرارات جريئة وخيارات ميدانية حاسمة.. لا يطالب بمسؤولين مثاليين ، لكن على الاقل يملكون الجرأة
لفتح الملفات الثقيلة، والقدرة على استقطاب الاستثمار، والسعي نحو تحريك عجلة الاقتصاد المحلي…
فاركمان تملك من المقومات الطبيعية ما يؤهلها لمواكبة مصاف المدن المتطورة في المجال السياحي..وبالتالي يجب العمل
على جعل هذا القطاع كعنصر أساسي في المورد الاقتصادي خارج “الفلاحة”..والرفع من الإنتاج الوطني المحلي على
غرار المدن التي ترتكز على مداخيل أساسها النشاط السياحي. وان ما يؤهل اركمان لبلوغ هذه الأهداف ، الاهتمام
بالشواطئ الشاسعة الفريدة من نوعها التي تحيط بها من كل جانب .. ويجب وضع استراتيجية لهذا الغرض لتنمية
وتطوير السياحة الشاطئية.
فلا احد ينكر الوضع الذي اصبح عليه ارشمان اليوم .. الجمود لا يزال سيّد الموقف وسط تشاؤم كبير، وبين غياب
الفرص وسندان البيروقراطية ، يعيش شباب القرية حالة مزدوجة من الطموح والانتظار. كثيرون منهم حاملون لشهادات
جامعية ومهارات مكتسبة ويحلمون بوظائف محترمة تضمن لهم استقلاليتهم وكرامتهم، لكن الواقع الاقتصادي يضع
أمامهم جداراً من التحديات: سوق شغل ضيّق فرص محدودة وبيروقراطية تلتهم الوقت والطاقة.. و وحده البحر من يفتح
لهم ذراعيه لكن ليس للعيش بل للهجرة والرحيل ..
القرية اليوم لا تحتاج الى خطابات، ولا تصاميم تهيئة ولا لوكالة مارتشيكا… بل الى قرارات جريئة ،صادمة تعيد لها
الحياة، والا فان الحديث عن التنمية سيبقى مجرد شعار او مجرد واجهة لتبرير استمرار نفس المنظومة التي أوصلت
اركمان الى ما هو عليه اليوم.






