
“ريف رس” 15 مايو 2021
بقلم: مولاي الحسن بنسيدي علي.
مع المبدعين الراحلين الكاتب محمد مسكين والمخرج يحيى بودلال من ملكا حب الناس وساهما في الارتقاء بالمسرح.
كان من المقرر أن أخصص لكل منهما حلقة خاصة به، بسلسلة شخصيات من عالم الفن والإبداع، التي أعدها في بداية الحلقات.
وكلما هممت بوضعها بالموقع للنشر إلا وحدثتني نفسي لماذا لا تجعلها حلقة واحدة؟ فقد كان الرجلان معا طيلة مسيرتهما الإبداعية؛ يشتركان في العمل المسرحي يكملان بعضهما يتقاسمان الحرف والفن والرغيف؛ أقاما معا لبنات المسرح وسافرا معا وفرحا بنجاحهما معا داخل الوطن وخارجه.
وبكثير من التأثر كتبت عنهما وفاء ورحمة لروحهما:
عرفت المدينة برجلين، ارتقت بهما في مجال الفن وأسمعا صوتها المحافل الوطنية والعربية والدولية؛ فكانا يشكلان ثنائيا رائعا على مدى سنوات، كانا كفرسي رهان، كل ينظر لهما بحب وتقدير ..
ولا يمكن الحديث عن المسرح إلا وذكر اسمهما لأنهما الرائدان المبدعان؛ الأول في التأليف المسرحي والثاني في الإخراج حظيت أعمالهما بكثير من الاهتمام داخل الوطن وخارجه، وتناولها الباحثون والمهتمون في أبحاثهم وأطاريحهم الجامعية والأكاديمية، وتابعها بالمشاهدة الجماهير ومحبي المسرح. يعتبران من صانعي الفرجة والدراما، ومن مؤسسي جمعية المسرح العمالي المكتسحة لجميع الأعمال المسرحية الجادة والهادفة في زمن كان يحسب للكلمة ألف حساب وحولها أذن وعين المخبر والرقيب تترصدان الأخبار .
لم نشأ أن نفصل بين سيرتهما لأنهما كانا بمثابة شخص واحد وروحهما مشتركة فيما بينهما، ولا يمكن أن يذكر اسم أحدهما إلا ويذكر اسم الٱخر، يشتركان في سمات كثيرة في الأخلاق والتواضع وحب المسرح والناس، كان لي شرف مصاحبتهما والجلوس إليهما كنا نضحك سويا، أحضر دروس الفرنسية مع الأستاذ بودلال، والفلسفة مع الأستاذ مسكين، وأنا يومها مديرا مؤسسا لمدرسة طه حسين الحرة، وعند انتهاء حصتيهما كنا نمضي إلى مقهى فرنسا نرتشف القهوة، كانا رحمهما الله يغمران ضحكا، وهما يتذكران حضوري معهم اجتماعات الاتحاد الجهوي لمسرح الهواة وأنا أمثل جمعية المسرح العربي وجمعية مسرح أنوار، فأدفع بمقترح هاته وأعارض المقترح بتلك، رافقتهما إلى مونفلوري بفاس وإلى رحاب القصر الملكي بإفران في مسرحية مواويل البنادق الريفية تأليف المبدع محمد مسكين وإخراج بنيحيى العزاوي، والتي حضرها الأمراء ولي العهد أنذاك سيدي محمد وصنوه الأمير مولاي رشيد والأميرات وسامي الشخصيات وكان عرضا في الهواء الطلق وخاصا.
وفي سنوات خلت قبل ذلك كان لي الشرف أن رقنت على الآلة الكاتبة التي كنت أجيد الرقانة عليها بمكتب وكالة والدي للأعمال والعقار بحث الأخ محمد مسكين وكان في الفلسفة
رجلان بإنسانيتهما وسجياهما يجعل مصاحبهما يتعلم بسرعة يؤثران بأسلوبهما وطريقة تحليلهما فيه.
وهذا ما جعل أعمالهما ناجحة؛ فمحمد مسكين يعتبر راسما للحكاية وناسجها من رحم المأساة الاجتماعية؛ وأما يحيى بودلال يعتبر مهندس مشاهدها ومنطقها ليخرجها من جمود الورق إلى حركة تدب وتنطق وتنتفض
ذكر الناقد والمسرحي الدكتور مصطفى الرمضاني في شهادة في حق المرحوم يحيى بودلال نقلها موقع بيان اليوم جاء فيها:
في مجال الإخراج يحضر اسم يحيى بودلال رائد الإخراج النقدي الكاريكاتوري بالمغرب، وصاحب الإبداع المرئي الذي يشغل كل الحواس. وهو أيضاً من أذكى المخرجين المغاربة، وأكثرهم قدرة على تطويع النص ليصبح عالما من العلامات المتحولة. وهذا ما يفسر اعتماده الدائم على الطريقة التركيبية في بناء العرض المسرحي ابتداءً من الشخصية، مرورا بالديكور والمركبات ولوازم السينوغرافيا، وصولا إلى أصغر أكسسوار فوق الركح”. انتهى
وقد أبَّنه يوم رحيله موقع أضواء ميديا بكلمات اقتطفت منها:
ويعتبر الراحل من بين أهم المخرجين المغاربة والعرب قدرة على تطويع المرئي، الذي يشغل كل الحواس.
أخرج مجموعة من المسرحيات، أغلبها كانت لرفيق دربه الراحل محمد مسكين، منها (عاشور، اصبر يا أيوب، تراجيديا السيف الخشبي، مهرجان المهابيل، امرأة وزغاريد ومسرحية مملكة الشعراء).
تميزت أعماله بعمقها الفكري وشعرية جمالياتها البصرية والحركية، إلى جانب تنوع مشاهدها وديناميتها، وكأن المتلقي في سيرك بعجائبيته وسحريته. انتهى
فعلا ذاك هو الفنان المبدع رحمه الله يحيى بودلال الذي طوع النصوص الأدبية إلى عالم الحركة والتجسيد وأنطقها. فكتابة المبدع محمد مسكين رحمه كفرس جامح لا يشد لجامه ويقوى عليه إلا فارس قوي البأس.
يعتبر الدكتور فريد بوجيدة في إحدى مقالاته:
يحي بودلال المخرج المسرحي الكبير، وأحد رواد المسرح المغربي المعاصر، والذي ساهم في الارتقاء بمسرح الهواة إلى القمة، ومنح للموهوبين شهادة الاحتراف، لا كمهنة، بل درجة العلم المشرف.
(وتساءل) من كان يظن أن مسرح الهواة سيصل إلى هذه الدرجة من الإتقان والحرفة ؟ انتهى
فعلا بهما معا المؤلف والمخرج ارتقى الفعل المسرحي ونالت مدينة وجدة شرف التتويج في كثير من المحافل والمهرجانات الوطنية والدولية.
واعتبر النقاد كتابات محمد مسكين رائدة على مستوى الإبداع الأدبي على نهج الكبار، كان رحمه الله يراهن على الجمهور الذي يعتبره أساس العمل المسرحي؛ و في حوار أجراه معه مصطفى روض قال الأستاذ محمد مسكين: المسرح في الأساس لعبة جماهيرية فإذا كان الشاعر يمكن الانفصال عن الجمهور في حالات معينة ليأخذ قلما وورقة ويكتب القصيدة ويمكن للفنان التشكيلي أن يبتعد عن الناس ويرسم ؛ لكن رجل المسرح، ليمكن أن يؤسس مسرحا بدون جمهور لدرجة يمكن القول معها إن الجمهور هو الذي يبرر وجود المسرح لأن المسرح هو الفرجة والفرجة لا تقدم للذات وإنما للناس . انتهى
انقلب الوضع وأصبحنا في زمن كورونا نسمع عن مسرح بدون جمهور؛ بمباركة وزارة الثقافة والشباب والرياضة
ولا تهم في العمل المسرحي الفرجة وإنما هاجس الريع الذي تنثره الوزارة بتزكية من المديريات
رحل الرجلان العملقان المبدعان وقد تركا من ورائهما أثرا طيبا خلال مراحل زمنية كان المسرح فيها مسرحا والجمهور عاشقا للفرجة ولقاعات العرض.
ومن أعمالهما:
1 مسرحية عاشور سنة 1979.
2َ مسرحية نيرون السفير سنة المتجول 1980.
3 صبر أيوب سنة1981.
4إمرأة ،قميص و زغاريد سنة 1982.
5 مسرحية تراجيديا السيف الخشبي 1983.
6 مسرحية الهجهوج ( عن النزيف) 1995.
وهذه الاعمال كانت من تأليف المبدع الراحل محمد مسكين وإخراج الفنان الراحل يحيى بودلال. وتوجد مسرحيات منفردة لكل منهما نذكر على سبيل المثال بعض المسرحيات التي اخرجها يحيى بودلال بعد رحيل محمد مسكين رحمه الله ومنها:
مملكة الشعراء للكاتب المسرحي محمد معزوز
مسرحية لحساب تالي للدكتور مصطفى الرمضاني
وسنأتي على ذكرها بالتفصيل في كتابات قادمة إن شاء الله
مهما حاولنا أن ندون سيرتهما ومسارهما الفني فيجف قلمنا ويبقى سجلهما مفتوحا لإضافات وإكمال صفحاته
فلروحيهما السلام، ونسأل الله أن يتغمد برحمته الواسعة الرائدان المخرج يحيى بودلال و الكاتب محمد مسكين وجميع من رحلوا عنا من الفنانين والمبدعين ويسكنهم فسيح جناته





