
” ريف رس ” 20 أبريل 2021
بقلم: الأستاذ خميس بتكمنت
بعد بث الحلقات الأولى من العمل التلفزيوني الريفي”مغريضو”،عادت ماكينات التبخيس للاشتغال و موجهة كالعادة لمحمد بوزگو كاتب سيناريو هذا العمل الذي يعالج إشكالية الهجرة و الظروف و السياقات الاجتماعية و الثقافية و النفسية المرتبطة و المولدة لهذه الظاهرة و تأثيرها على المحيط و المجال و الإنسان في البيئة الريفية.
من المعلوم أن النقد فعل صحي و لازم لأي عمل أو فعل أو سلوك أو ظاهرة ذات صلة بالشأن الحياتي للجماعة أو مجتمع، هذا لا خلاف فيه ولا اختلاف عليه، لكن النقد يشترط أولا أن تكون المادة موضوع النقد مستكملة و أن يكون الناقد ممتلكا لرصيد فكري و معرفي أولي عن الموضوع و المادة، و هذا الأمر مغيب في حالتنا، فالعمل فقط بثت منه بضع حلقات و لم ينتهي حتى تكون للمتلقي فكرة عامة و كاملة عن العمل/الموضوع لإحاطته للغاية المرجوة وهي تقديم نقد بناء من شأنه تجويد الآتي من الأعمال و فرصة لتبنه فريق العمل لبعض الملاحظات و الأخذ بها لتقويمها أو لتفاديها أو تجبنها في الأعمال اللاحقة و هذا كله يزيد و يكثف من الارتباط الحميمي بين المتلقي للمنتوج و بين المنتج و المخرج و السيناريست، و بالتالي إحقاق تكاثف الجمهور بصانع المادة و فريقها الموّلد.
ثم إن عمل تيليفزيوني أو سينمائي يستوجب وجود شرط الإطلاع بعلم البصريات و السينما و الإعلام و التمثيل، و هذا شرط مغيب في بيئتنا الريفية لغياب المعاهد و دور المسرح و السينما و المدارس و الثقافة السينمائية، و بالتالي فغالب ما يتم تسميته نقدا هو مجرد انطباعات – قيوعية- و أحكام جاهزة يتم تغليفها بغلاف النقد ،بمحاولة إلباس سمات ذوقية و تصويرها كأنها برتوكول العمل الاحترافي بتوظيف الشعبوية و التسفيه للوصول ألى غاية نفسية أساسا و هي إشباع النوازع التدميرية المعشعشة في بنيتنا الذهنية و النفسية الريفية.
علينا أن ندرك أن السينما و العمل التيليفيوني بالريف لا يزال قيد التشكل و في مهده، و علينا أن نفهم أننا فقط في المراحل الأولى من الانتقال من سياق كنا نستهلك فيه منتوجا دخيلا عن بيئتنا و ثقافتنا و واقعنا الى سياق أعمال نحن فيها المضمون/المادة/الاشكالية المعالجَة بكل تناقضاتنا و خصوصياتنا اللسنية و الثقافية و الاجتماعية و النفسية ، و يرجع الفضل في هذه الطفرة الانتقالية لمحمد بوزكو بالخصوص الذي استطاع بمجهود ذاتي و نكران ذات الى صنع أضيوص كارمن و خميس 84 و إيبيريتا و وصولا للعمل التلفزي مغريضو.
محمد بوزكو من الذين يسبقون التفكير الجمعي بخطوة دوما، فعندما كان النقاش محتدما في الاوساط الأمازيغية حول الحرف كان بوزكو قد حسم الأمر من منظوره و أصدر أعمالا ك jar u jar و tichri x tma n tssawart و غيرها ، و عندما كان السواد الأعظم منا يعتبر الكتابة كآلية توثيقية كان بوزكو يسير في اتجاه آخر لتشريح ذاتنا الريفية و بنيتنا بالسينما، و عندما كان الكل ينشئ صفحة فايسبوكية و يسميها قناة إخبارية كان بوزكو يضع اللمسات الأخيرة على قناة rif. Tv التي لم يكتب لها العيش جراء الرقابة و توجس السلطة من انتقال الريفيين من مرحلة الإعلام الارتجالي الغير المنظم إلى مأسسة الإعلام.
إن كان لنا أن نتعلم شيء عند ذكرنا لاسم بوزگو، فعلينا أن نتعلم منه الملحاحية الكبيرة في الخروج عن التفكير التقليدي السائد علينا و اقتحام عوالم تقتضي الصبر و الجهد و التضحية و نكران الذات و العصامية بعيدا عن الضوضاء الالكترونية و صخب الأضواء، و علينا أن نتعلم معنى أن تصنع السينما الريفية و ما تقتضيه من موارد بشرية و طاقية و مالية بمجهود ذاتي فقط و بالاعتماد على الإصرار و الرهان على أوراق غير مضمونة النواتج، و علينا أن نتعلم أكثر من السيد بوزكو عمله الكثير و كلامه القليل فهو من القلة الذين استطاعوا أن يجعلوا أعمالهم تتحدث عنهم في زمن يشترى به اهتمام المتابعين بالرهان على الصفحات المدفوعة في الفايسبوك و الانستاغرام.
صحيح، هناك خصاصا في هذا الميدان بالريف باعتماد التمثيل على الارتجالية و الموهبة بدل التكوين و تلقي أدبيات العمل الاحترافي للتمثيل، صحيح هناك تسجيل مشاهد في الحلقات التي بُثت لم يستطع فيها بعض المشاركين الشباب/ت في العمل التفريق بين الأداء على خشبة المسرح و الأداء أمام الكاميرا، و صحيح يمكن ملاحظة عدم تناغم اللكنة اللسنية و عدم تجانسنها مع لسان المجال محور السيناريو كحالة إعطاء دور عضوة مجلس جماعي لإمرابظن لشابة بلكنة ورياغلية، هذه انطباعات بدت لي كمتلقي عادي لا أفهم في الميدان إلا قشوره، لكن ذلك ليس مبررا و لا يلغي الأداء المتميز لبقية الفريق كبنعيسى المستيري و زنون و المكنوزي و نوميديا الذين يعتبرون قامات و هبات ربانية للريف مادام تكوينهم ذاتيا و عصاميا و لم يحتاجوا التخرج من معاهد مختصة ليكونوا مميزين، و الأمر نفسه ينطبق على المخرج طارق الإدريسي الذي استطاع إخراج العمل للوجود وسط مناخ غير محفز و بإمكانيات ذاتية بسيطة مقارنة مع ما يحتاجه العمل التلفزيوني من إمكانيات هائلة.
قبل إطلاق العنان للمزايدات بالنقر على لوحة المفاتيح و شحنات التبخيس، علينا أن نتساءل هل كانت ستكون لنا مادة لنخوض في حيثياتها لولا شخص إسم بوزكو؟ لا أعتقد ذلك… و هل كان سيكون متاحا لنا للحديث عن السينما الريفية لولا ثازيري بروديكسيو… لا أعتقد ذلك… ما دام الأمر كذلك فعلينا أن نعرف قدرنا ليرحمنا الله و بدل ان ندعي فهاماتورية على الإدريسي و نسائله عن هيمنة الزوايا المغلقة على الكاميرا و ان ننظر لهذا العمل من منظور أعمال نيتفلكس علينا أن نرفع لهم القبعة و الأهم أن ينتظر الناقد انتهاء عرض المسلسل على الأقل لنقده ، و نحمد الله على نعمة بوزكو و أن لا نجعل أعيننا تنظر لعمل ريفي بواقع هوليود، فالأصح أن ندرك واقعنا و المتاح لدينا أولا قبل أي شيء آخر كي لا نكون كائنات تنتج الإفك و الاعتلال الانتقاصي.
عرفت لأول مرة محمد بوزكو في 2004 على ما أعتقد بعد إصدار رواية جار أوجار أو ثيشري خ ثما نتساراوت، كنا أنذاك برمجنا في جمعية ثافرا يوما لتكريمه و كان تكريمه أول نشاط و ندوة عمومية أقوم بتسييرهما بدار الشباب بميضار ، و منذ ذلك التاريخ كل مرة يفاجئني بوزكو بأعماله و يظهر تفوقه و تميزه في النظر لواقعنا و تشخيصه بزوايا النظر لا نستطيع نحن التفكير فيها.





