
” ريف رس” 8 مارس 2021
بقلم: الدكتور جمال الدين الخضيري
يطل علينا مرة أخرى الفنان والكاتب مولاي الحسن بنسيدي علي بمجموعته المسرحية الموسومة بصهيل الجياد بعد مجموعته المسرحية الأولى عودة آريز .
ويأبى كاتبنا إلا أن يقتحم من خلال نصوصه قضايا عدة بصيغ فنية متنوعة ، وهذا ليس غريبا عليه ، فهو مهووس بالخشبة التي طالما اعتلاها وصال فيها وجال ، كما أنه حاذق بالعمل المسرحي ، مستوعب لتقنياته ومواكب لتجارب عدة ومرافق لرواد المسرح المغربي بوجدة والمغرب منذ سنوات السبعين.
فلا مندوحة أن يستحضر الكاتب مكونات العرض المسرحي وهو يكتب نصوصه ، ومن الطبيعي أن نلتمس فيها تصورا إخراجيا ناضجا وبعدا دراماتورجيا لافتا .
جاء كتاب صهيل الجياد متنوعا، فهو من جهة يحمل بين طياته نصوصا موجهة للطفل ذات بعد توجيهي وديداكتيكي ، أتت على لسان الحيوانات ، لكن لا تخلو من مرح وعمق ، من مثل (الحمامة والصقر) (وسوء العاقبة) .
ومن جهة ثانية يتناول تيمات لصيقة بالواقع المعيشي ، وهموم المواطن المغربي مثل مسرحية(الباطوار )، وهي مسرحية فردية، أقرب إلى صيغة الكوميديا السوداء، إذ تعج بالمواقف الصادمة والساخرة ، من مثل قضية اللحوم المغشوشة، وكذا المحسوبية والرشوة، والانتخابات.
وفي السياق نفسه تتطرق (مسرحية نقطة نظام) إلى مهزلة تسيير المجالس المنتخبة للشأن المحلي في آجواء من الفوضى والأمية ، فدوارتها المنعقدة، والتي من المفروض أن تداول فيها مختلف الشؤون التنموية، يسودها التهريج والعبث والتشردم، كأننا أمام مسرحية داخل المسرحية وتمثيل داخل التمثيل.
ومن المسرحيات المتميزة نجد (لونجة) ، إذ تتكئ على الحكاية الشعبية والموروث الأسطوري ، لكن في قالب رمزي يتماهى مع واقعنا الآني وحال الأمة العربية التي مازالت تحتاج إلى مخلص ، كما حصل مع لونجة التي سقطت في براثين الغولة .
ويبقى نص صهيل الجياد أهم نص في المجموعة والذي اختار الكاتب أن يجعله عنونا لها .
يتناول الكاتب في هذا النص قضية الكفاح الوطني بقيادة الشريف محمد أمزيان وبطولاته، ومقاومته للمحتل الإسباني .
المسرحية يطغى عليها الطابع الملحمي التراجيدي ، مشيرة في نهايتها إلى استشهاد الشريف، المركزة على اعتراف العدو ببسالته.
مولاي الحسن اعتمد عدة صيغ فنية أثناء مقاربته لهذه القضايا ، وأعطى كثافة لنصوصه عندما لجأ إلى توظيف الزجل والأهازيج وطقوس الاحتفال، ولا غرو في ذلك ، فالمؤلف زجال في الدرجة الأولى، ومولع بالشعر العامي .
فعلى العموم تمتاز نصوصه المسرحية بتعدد الأصوات ، وتداخل الشخصيات ، وتطور الأحداث ، وتنامي الدلالة بشكل مضطرد Sémantique) Progresion ) مما جعلها تتسم في الغالب بالصراع وتعاقب مجموعة من المتواليات ، ليس من خلال الحوار فحسب بل من خلال علامات مرئية ومسموعة كما تكشف عن ذلك الإرشادات المسرحية .
إن نصوص كاتبنا مولاي الحسن بنسيدي علي تستحق القراءة والتشخيص ولا بد من أن تمتد إليها يد المخرجين وبعثها من جديد فوق الركح وفق رؤى إخراجية رصينة.





