” ريف رس” 30 اكتوبر 2026
بقلم : جمال العازي
حين نستعيد تاريخ الناظور ورجالاتها، لا نستحضر أسماء العلماء والفقهاء باعتبارهم شخصيات عابرة في ذاكرة المدينة، بل نستعيد مسارات علمية وإنسانية ارتبطت بالتعليم والإرشاد والشأن الديني والاجتماعي. ومن بين هذه الأسماء العلامة سيدي الحاج عمر أشركي، الذي ارتبط اسمه بعدد من المؤسسات العلمية والتعليمية بالناظور، وامتد حضوره إلى مجال الحسبة والعمل داخل المجلس العلمي.
تذكر الترجمة المتداولة أن سيدي الحاج عمر أشركي ولد سنة 1921 بمنطقة بني توزين، بدوار تمارت، في أسرة ارتبطت بالعلم والقضاء. وكان والده الفقيه محمد أشركي، الذي تذكر الروايات أنه تولى القضاء في عدد من مناطق الريف، ومنها مناطق عرفت حضور الحركة الوطنية والمقاومة الريفية.
نشأ عمر أشركي في محيط علمي، فبدأ بحفظ القرآن الكريم وتلقي مبادئ العلوم الدينية، قبل أن يواصل رحلته في طلب العلم بالمؤسسات الدينية. وتفيد الترجمة بأنه التحق بجامعة القرويين بفاس سنة 1946، حيث تابع دراسته في العلوم الشرعية إلى سنة 1956. وتذكر المصادر المتداولة أنه اشتغل بالتدريس في القرويين بعد تخرجه، بين سنتي 1956 و1958، وهي مرحلة تعكس المكانة العلمية التي بلغها بعد سنوات من التحصيل.
بعد عودته إلى الناظور، ارتبط اسم عمر أشركي بالمعهد الديني التابع للمسجد الحسني، حيث تذكر ترجمته أنه تولى إدارته بين سنتي 1958 و1970. ولم يكن المعهد مجرد مؤسسة للتعليم، بل كان فضاء لتكوين الطلبة في العلوم الشرعية واللغة العربية، ومكونا من مكونات الحياة العلمية والدينية بالمدينة.
وتعزز شهادة منشورة لأحد خريجي المعهد صورة حضور عمر أشركي داخله، إذ يذكر صاحب الشهادة استفادته من دروسه، ويشير إلى إشرافه على المؤسسة. وهي شهادة تضيء جانبا من العلاقة بين الأستاذ وطلبته، وتساعد على استعادة ذاكرة التعليم الديني بالناظور.
كما تذكر الترجمة المتداولة أنه تولى إدارة مدرسة الشريف محمد أمزيان بين سنتي 1972 و1982، وهي محطة أخرى من مساره التربوي والإداري.
ومن المحطات المهمة في سيرته توليه مهمة المحتسب بمدينة الناظور. وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة لأنها تكشف جانبا آخر من أدواره؛ فالحسبة ارتبطت تاريخيا بمراقبة المعاملات والأسواق، وحماية حقوق المتعاملين، ومتابعة ما يتصل بالنظام التجاري والأخلاقي في الحياة اليومية.
وقد تناولت مادة صحفية منشورة بعنوان «شرفاء من الزمن الطيب» تجربة المحتسبة بالمنطقة، وذكرت عمر أشركي بالاسم، مشيرة إلى أنه خلف محتسبا سابقا، وأنه سار على نهج التعامل الهادئ مع التجار. وهكذا لم يقتصر حضور الرجل على فضاء المسجد والمعهد ومجالس العلم، بل امتد إلى فضاء السوق والحياة الاجتماعية، حيث كانت الحسبة إحدى المهام التي تصل بين المعرفة الدينية وتنظيم شؤون الناس.
ارتبط اسم العلامة عمر أشركي كذلك بالمجلس العلمي بالناظور، وتذكر ترجمته أنه شغل مسؤوليات داخل المجلس قبل أن يتولى رئاسته. وقد ورد اسمه في أرشيف مجلة «دعوة الحق» التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بصفته رئيس المجلس العلمي بالناظور، وهو ما يشكل شاهدا منشورا على حضوره في هذه المؤسسة العلمية.
وتحدد الترجمة المتداولة تاريخ تعيينه رئيسا للمجلس سنة 1995، خلفا للمرحوم العلامة مقدم بوزيان، كما تذكر تعيينه عضوا في المجلس العلمي الأعلى سنة 2001. أما تفاصيل الظهير أو قرار التعيين وتواريخهما الدقيقة، فما زالت تحتاج إلى استكمال التوثيق من الوثائق الرسمية.
وتذكر السيرة أيضا أنه ترأس فرع الناظور لرابطة العلماء مدة خمس عشرة سنة، وتولى الخطابة بالمسجد الحسني ثلاث سنوات. وهي محطات تعكس تعدد مجالات اشتغاله في الحياة الدينية والعلمية بالمدينة.
ولم يكن عمر أشركي حاضرا في التدريس والإدارة الدينية فقط، بل وصلنا أثر مكتوب يحمل اسمه في مجلة «دعوة الحق». ففي العدد 329، الصادر في ربيع الأول 1418هـ، الموافق ليوليوز 1997، نشر مقالا بعنوان «الشباب المغربي في العهد الحسني».
ويتناول المقال قضايا الشباب من زوايا تربوية ودينية ووطنية واجتماعية، في سياق الاحتفاء بعيد الشباب آنذاك. وتكمن أهمية هذا النص في أنه يقدم شاهدا مباشرا على مشاركته في الكتابة الفكرية المنشورة، ويتيح للباحثين الاطلاع على جانب من اهتماماته خارج نطاق الوظائف التعليمية والإدارية. وإلى حين العثور على أعمال أخرى موقعة باسمه، يبقى هذا المقال من أبرز الشواهد المكتوبة التي أمكن الوصول إليها باسمه في الأرشيف الرقمي.
وتذكر الترجمة المتداولة أن عمر أشركي قام بمهمتين للوعظ والإرشاد خارج المغرب سنتي 1972 و1986، كما تشير إلى مشاركة مرتبطة بالجامعة الأميركية في بيروت، في إطار ندوات تربوية وإدارية ضمت عددا من مديري المؤسسات التعليمية. وتحتاج هذه المحطات إلى مزيد من البحث في سجلات البعثات والوثائق التربوية والأخبار الصحفية المعاصرة، حتى تكتمل تفاصيلها.
وتحتفظ الصحافة المحلية بصورة قديمة قيل إنها التقطت بالمقر السابق لبلدية الناظور خلال زيارة عالم أزهري سنة 1975، وتورد اسم عمر أشركي ضمن الشخصيات الظاهرة فيها. وتكتسب هذه الصورة أهميتها من كونها وثيقة بصرية محتملة لتاريخ العلماء والمؤسسات الدينية بالمدينة، ولما يمكن أن تقدمه من شواهد عن العلاقات العلمية والزيارات التي عرفتها الناظور في تلك المرحلة. غير أن تاريخ الصورة وهوية الزائر والصفات الواردة في تعليقها تظل مرتبطة بالمصدر الذي نشرها، إلى أن تتوفر وثائق مستقلة تؤكد تفاصيلها.
وتذكر الترجمة المتداولة أن العلامة سيدي الحاج عمر أشركي حصل على «وسام الرضى من الدرجة الأولى» سنة 1974، وهي معلومة تستحق التحقق من السجلات الرسمية أو الأخبار الصحفية المعاصرة. كما تذكر أنه توفي يوم الجمعة 24 مايو 2002، الموافق بحسب الرواية المتداولة 12 ربيع الأول 1423هـ. ورغم ورود تاريخ الوفاة في الترجمة التي جمعت عنه، فإن العثور على نعي معاصر أو سجل رسمي سيظل ضروريا لاستكمال التوثيق التاريخي لهذه المحطة.
تقدم سيرة العلامة سيدي الحاج عمر أشركي صورة عالم تعددت مجالات حضوره؛ من رحاب جامعة القرويين، إلى التدريس والإشراف على المعهد الديني التابع للمسجد الحسني، وإدارة المؤسسات التعليمية، وتولي مهمة الحسبة، ثم رئاسة المجلس العلمي بالناظور.
وإلى جانب هذه المسؤوليات، بقي له حضور في الكتابة الفكرية من خلال مقاله المنشور في مجلة «دعوة الحق»، فضلا عن الشهادات التي تستعيد دوره في المعهد الديني وعلاقته بالطلبة والعلماء.
إن توثيق هذه السيرة ليس مجرد استعادة لاسم من أسماء الماضي، بل هو محاولة لحفظ جزء من تاريخ الناظور العلمي والاجتماعي، والتعريف برجال أسهموا في خدمة العلم والدين والمجتمع.
ونحن في هذه السلسلة لا ندعي الإحاطة بكل التفاصيل، ولا نزعم أن ما جمعناه قد استوفى جميع جوانب حياة الرجل؛ وإنما نضع ما أمكن الوصول إليه من معلومات وشهادات ووثائق بين أيدي الباحثين والمهتمين، ونترك للبحث الأرشيفي والمراجعة العلمية استكمال ما بقي من تفاصيل.
فمن تراثنا نبني حاضرنا، وبحفظ ذاكرة رجالاتنا نصون جزءا من تاريخ مدينتنا.
رحم الله عالمنا.







