“ريف رس” 14 أكتوبر 2026
تطرح مسألة التمثيلية السياسية في المغرب نقاشاً متجدداً حول مدى تعبير الحكومة المنبثقة عن الانتخابات البرلمانية عن الإرادة العامة للمواطنين، خصوصاً في ظل الفارق بين الأصوات التي تحصلت عليها الأحزاب المشاركة في تشكيل الأغلبية الحكومية، ومجموع المواطنين الذين يحق لهم التصويت.
فالحكومة، وإن كانت تستمد شرعيتها الدستورية من المسار الانتخابي وما يترتب عنه من مؤسسات، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تحظى بتأييد أغلبية المغاربة. فهناك فرق واضح بين أغلبية المقاعد داخل البرلمان، والأغلبية العددية للمواطنين الذين يشاركون في الانتخابات، فضلاً عن ملايين المواطنين الذين لا يشاركون في التصويت لأسباب مختلفة.
وتتشكل الحكومة وفق نتائج الانتخابات البرلمانية والتحالفات الحزبية التي تفرزها، وهو ما يجعلها تمثل الأغلبية السياسية داخل المؤسسات، لكنها لا تمثل بالضرورة الاختيار السياسي لجميع المواطنين، بمن فيهم الذين صوتوا لأحزاب المعارضة أو الذين اختاروا عدم المشاركة في العملية الانتخابية.
ومن هنا، يصبح من المشروع طرح سؤال جوهري، إلى أي حد يمكن اعتبار الحكومة معبرة عن الإرادة الشعبية العامة، عندما لا تكون الأحزاب المشكلة لها قد حصلت على أصوات أغلبية مجموع الناخبين المؤهلين للتصويت؟
إن الديمقراطية لا تختزل في تنظيم الانتخابات وتوزيع المقاعد البرلمانية فحسب، بل تقوم أيضاً على قدرة المؤسسات المنتخبة على الاستماع إلى مختلف فئات المجتمع، والاستجابة لانشغالات المواطنين، وتقديم سياسات عمومية تخدم المصلحة العامة، بصرف النظر عن اختياراتهم الحزبية أو مواقفهم من الحكومة.
فالمواطن الذي لم يصوت للحكومة، أو الذي امتنع عن التصويت، يظل بدوره معنياً بقراراتها وملتزماً بالقوانين التي تصدرها المؤسسات المختصة. ولذلك، فإن مسؤولية الحكومة تتجاوز القاعدة الانتخابية للأحزاب التي تشكلها، لتشمل المجتمع بأكمله.
وفي المقابل، لا يعني عدم حصول الأحزاب الفائزة على أصوات أغلبية مجموع المواطنين أن الحكومة تفتقر تلقائياً إلى الشرعية الدستورية؛ فالنظام الانتخابي البرلماني يقوم على قواعد محددة لتوزيع المقاعد وتشكيل الأغلبية. غير أن الشرعية القانونية تظل مسألة مختلفة عن حجم التأييد الشعبي الفعلي، وعن مستوى الثقة السياسية التي تحظى بها المؤسسات.
إن التحدي الحقيقي أمام الحكومات لا يتمثل فقط في الحصول على أغلبية برلمانية تتيح لها ممارسة صلاحياتها، بل في توسيع قاعدة الثقة والمشاركة، وإقناع المواطنين بجدوى العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
فحين يشعر المواطن بأن صوته لا ينعكس على السياسات العمومية، أو أن مطالبه تظل خارج دائرة الاهتمام، تتعمق المسافة بين المجتمع والمؤسسات، ويصبح العزوف الانتخابي موضوعاً يستحق النقاش الجدي، بعيداً عن اختزال أسبابه في اللامبالاة أو ضعف الوعي السياسي.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يستحق أن يظل مطروحاً في النقاش العمومي المغربي ليس فقط من فاز بالانتخابات ومن شكل الحكومة، بل أيضاً ،كيف يمكن تحويل الأغلبية البرلمانية إلى قوة سياسية قادرة على بناء ثقة أوسع لدى المواطنين، بمن فيهم أولئك الذين لم يمنحوها أصواتهم؟
فالحكومة تتشكل وفق قواعد الانتخابات والدستور، لكن نجاحها في تمثيل المجتمع لا يقاس بالمقاعد وحدها، بل كذلك بقدرتها على الاستماع إلى الجميع، وتحقيق نتائج ملموسة، وإثبات أن المؤسسات المنتخبة تعمل من أجل الصالح العام، لا من أجل القواعد الحزبية التي أوصلتها إلى السلطة.





